Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

رسالة عيد الميلاد

تلقيت رسالة مكونة من بضعة أسطر مكتوب عليها من الخارج “هام ومستعجل”، وقد استرعت انتباهي لأنني أعرف هذا الخط جيدًا. فتحتها بشغف ثم ارتجفت من المفاجأة: إنها موقعة من “مارك” زميل الدراسة الجامعية الذي انقطعت عني أخباره منذ عشرة أعوام تقريبًا، غير أن ما كان يُروَى لي عنه من الأصدقاء كان مأساة تثير الشجون.

في بداية عام 1944 عُذِّبَت زوجته إيزابيللا حتى الموت بأحد سجون بولندا. كان مارك وإيزابيللا يتميزان بالاتجاهات المتعارضة تمامًا فهو ملحد مملوء بالأفكار المسممة ضد الدين، وهي مسيحية متعمقة في أسس الإيمان. وكان لكلٍ منهما الأسباب والبراهين التي تبرر رأيه ولذا كانت مناقشاتهم تنتهي بإصرار كلٍ منهما على ما هو مقتنع به. اليوم الذي أعلمانا فيه بخبر خطبتهما صرح مارك بجدية واعتزاز قائلاً: “ومع ذلك فكلٍ منا سيظل على عقيدته”.

بعد ذلك ومع اندلاع الحرب فقد تفرقت جماعتنا وانقطعت وسائل الاتصال بيننا.

أمسكت الرسالة وقلت في نفسي بفرح إن مارك لايزال حيًا سَوِي النفس بعد موت زوجته، وقرأت السطور القليلة التي يطلب فيها أن أتصل به لأحدد موعدًا لأقابله. وحددنا موعدًا للمقابلة في اليوم التالي، وعند رؤيته اعتراني الذهول وقد إبيض شعره وبدا متعارضًا بوضوح مع سمات وجهه الشاب، فمازلت أذكر ملامحه المتشنجة وقتما كانت تجري بيننا المناقشات الحادة والسيجارة دائمًا على جانب فمه وإذ به يقول وكأنه يقرأ أفكاري: “شكرًا لله لقد أبطلت عادة التدخين”. ثم أردف قائلاً: “الآن إحكي لي عن أحوالك طيلة هذه السنين”. لقد بدت عليه البساطة وهدوء النفس، تنم نظراته عن عمق سلام داخلي. ولكني لم أجترئ أن أن أسأله عن أي شئ حتى لا أستثير مشاعره من جهة زوجته، فأخذت أحدثه عن مغامراتي أثناء الحرب ولكن في قرارة نفسي كنت أفكر في زوجته إيزابيللا الإنسانة العجيبة التي عرفتها عن قُرب.

كنت شديدة الإعجاب بشخصيتها المتكاملة التي تميزها كتحفة فنية رائعة. لقد كانت إيزابيللا الإنسانة الوحيدة التي تجهل مواهبها وقدراتها، فهي رسامة مبدعة تحب فنها ولها إيمان حار عميق وبسيط أيضًا لا تشترك في المناقشات سوى قليل جدًا ومع هذا فقد كان تفكيرها وحكمها في الأمور في بساطة وتلقائية مدهشة تعطي لتساؤلاتنا إجابات قاطعة وحلول حاسمة تتركنا مبهوتين مبهورين.

كان مارك وحده هو الذي يجرؤ على معارضتها ولكن دون سند منطقي فكانت تنظر إليه في دهشة ودون عنف ولا غضب ولا حتى رغبة في الإقناع بالحجة وتقول: “علِل لي رأيك”، وكان كلامها الثابت هذا المملوء وداعة وحزمًا شهادة لإيمانها.

لم أعد أرى إيزابيللا ومارك منذ قرانهما، فبعدها كانت العطلات الطويلة ثم الحرب في عام 1945 وبعد ذلك علمت عن موت إيزابيللا من بعض الرفقاء.

لم أجرؤ أن أسأل عن شئ وأخذت أتكلم عن مغامراتي أثناء الحرب. كان مارك يصغي لي بانتباه حتى أنهيت كلامي ثم ابتسم وقال: الآن جاء دوري أن أتكلم، أتعرفين أنني صرت مسيحيًا؟ صمتنا للحظة قال بعدها: إنني مدين بهذا لإيزابيللا.

لقد زاد اضطرابي عند ذِكر إسمها لأني كنت حريصة ألا أُذَكِّره بزوجته، إذن هي لم تغب عن وعيه. وقد سكت قليلاً ثم قال بهدوء: “نعم، يقينًا إن الموتى لايزالوا أحياء وعندي الأدلة القاطعة على ذلك، وها أنا أقول لكِ قصة أغرب من الخيال لكنها حقيقية تمامًا دون أي شك”.

كانت إيزابيللا نشطة في حركة المقاومة الشعبية، ومن خوفي عليها قلت لها في أحد المرات: “ماذا سيكون مصيري لو أعدموكِ؟” فأجابت في الحال بكل رزانة ووقار: “إذا أعدموني فسوف أعود لكي أقول لك أن هناك حياة أخرى فائقة مازلت أعيشها”.

بعد ذلك بعدة أيام قُبِض على إيزابيللا، وبعد سلسلة من التعذيب المريع تم إعدامها. أصابني موتها بصدمة عصبية شديدة استدعت علاجي في مصحة نفسية، وأثناء العلاجات المتعددة التي تحملتها بلا مبالاة كانت هناك فكرة متسلطة تحاصرني: “إنها وعدتني أنها ستُظهِر لي علامة، إذا كانت روحها ستظل موجودة على قيد الحياة فإنها ستوفي بوعدها”.

في اليوم السابق لعيد الميلاد خرجت من البيت لأتمشى بين أشجار الغابة وسط الثلوج، كنت أسير ببطء لكي أستنفذ الوقت شاعرًا أنه ليس أفضل من الموت في النهاية حسمًا لكل الأمور. وفعلاً كنت بكل كياني أتجه إلى حلٍ واحد هو الانتحار.

وفجأة أخذت الأعجوبة تبدو أمامي: فقد ظهر من بعيد رجل مقبل نحوي، ولما وصل إليًّ سألني إن كنت أعرف شخصًا هنا باسم مارك! فلما أخبرته أني هو نفسه قال: “يا له من توفيق عجيب! ها أنا آتي لك برسالة من زوجتك”.

أصابني كلامه بصدمة عاتية، ثم أخرج رسالة سلمها لي وكان مكتوبًا عليها بخط إيزابيللا: “إلى مارك زوجي المحبوب”. وإذ رأى هذا الرجل دهشتي الشديدة أوضح لي أنه كان طبيب المعتقل الذي احتُجِزَت فيه إيزابيللا، وقبل إعدامها سلمته هذه الرسالة وطلبت منه أن يوصلها لزوجها. والعجيب أن هذا الطبيب تعرض لظروف صحية صعبة للغاية، إلا أنه كان يشعر بدافع مُلِح أن يأتيني بالرسالة في هذا اليوم حتى تكون الرسالة هدية عيد الميلاد من إيزابيللا إليَّ”.

أخرج مارك من أوراقه رسالة بالية وقدمها لي. لقد عرفت في الحال خط إيزابيللا وها هي الرسالة:

عزيزي مارك

“غدًا ستكون النهاية أي بداية كل شئ، بداية حياة جديدة. إنني أفكر في الوحشة التي ستكون عليها بعد موتي لكني أصلي من أجلك حتى تصل إلى كمال الفهم أن ما يدعونه “موت” هو في الحقيقة “ميلاد جديد”!“سأكون مغمورة بمحبة الله ومع هذه المحبة الإلهية لا يوجد شئ غير ممكن.

. إبتداء من غد سيكون الحاضر الأبدي ومعه الوجود في حضرة الله. أثق تمامًا أن الله سيستجيب لي لأنه وعد بذلك، سأطلب منه خلاصك في إسمه القدوس فهذا هو أكثر شئ يعنيني.

“ثق يا عزيزي مارك أن ما لم أقدر أن أعمله لك هنا سأعمله بنعمة الله فوق حيث لا تعب ولا جوع ولا عطش في حضرة الله القدوس، وسوف تجد السلام والفرح الحقيقي مع الله الذي أحَبَك ويحبك إلى المنتهى.

“سامحني في أنني لم أنجب لك أطفالاً لكن بعد هذه الحرب سيكون أطفال كثيرون بلا أب ولا أم، وأكثر ما يحتاجونه هو رعاية أب مثلك.

“أستودعك الله مع محبتي لك من عمق القلب، فإلى اللقاء”.

أرجعت إليه الرسالة وقد انعقد لساني لأني كنت أكتم شهيق بكائي أما هو فكان ينظر إليَّ مبتسمًا ويقول:

“أترين كيف أن هذه الرسالة حولتني إلى إنسان جديد؟ إن هذا الطريق وسط الثلوج ليلة عيد الميلاد قد صار لي كطريق دمشق حيث تحول شاول إلى القديس بولس الرسول، وها أنا أنتظر أن ينعم الله عليَّ برؤية جديدة مجتهدًا أن أكون مستحقًا ولو لقليل مما كانت ترجوه لي زوجتي دائمًا.

“لقد استجبت لطلبها وتبنيت يتيمين من العديدين الذين فقدوا والديهم في الحرب وتتعاون معي في تربيتهما أختي التي مات زوجها. هل عرفتِ الآن لماذا رغبت بشدة أن أراكِ؟ أنتِ صديقتها الحميمة ولك الحق في أن تتعزي معي برسالتها لي في عيد الميلاد المجيد”.

اية للحفظ

أليس جميعهم أرواحًا خادمة مرسلة مرسلة للخدمة لاجل العتيدين أن يرثوا الخلاص" (عب1: 14) .