Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

١١ يناير

كان أبونا بيشوي كامل نيح الله نفسه يعمل مدرسًا في مدرسة الرمل الثانوية بعد أن تخرج من كلية العلوم سنة ١٩٥١ م … وكان سنه آنذاك قريبًا من سن معظم التلاميذ … فصار قريبًا جدًا منهم وأحبوه حبًا شديدًا وتعلقوا به واحترموه لكثرة علمه وأدبه وسلوكه، إذ كان شخصية متكاملة حكيمة رغم صغر سنه.

وصار تلاميذه فيما بعد يفتخرون أنهم يومًا ما كانوا من بين من درَّسهم. ورأوا في سلوكه النادر القدوة والمثل لكمال الحياة ولاسيما أبناؤه من المسيحيين الذين اعتزوا جدًا بهذا النصيب.

كان من ضمن تلاميذ أبونا بيشوي أخوان هما الآن أستاذا التحاليل بكلية الطب جامعة الإسكندرية، وكان والدهما الدكتور موريس ميخائيل نيح الله نفسه رجلاً مسيحيًا طيبًا، وكان يحب أبونا بيشوي حبًا خالصًا نادر الوجود … وكنا بين الحين والحين نزور منزل الدكتور موريس نتعزى بكلمة الله والصلاة.

وفي إحدى هذه الزيارات وكنا في أواخر شهر ديسمبر، وكانت العائلة مجتمعة سيدات ورجال … أقارب وأحباء … وكان من بين الحاضرين شقيق الدكتور موريس، وهو بحار يحيا معظم أيام السنة مسافرًا في البحر ومتنقلاً بين بلاد الدنيا … وكان رجلاً هادئًا … قليل الكلام … وهو في الخمسينات من عمره ويحيا بمفرده، لم يتزوج.

كان الرجل جالسًا صامتًا متجهمًا … قال له أبونا بيشوي وهو يعرفه جيدًا: “مالك يا فلان؟

قال الرجل: “أشكر الله يا أبونا …”

فقالت إحدى بنات الدكتور موريس: “أقول لكم يا آبائي ما هي مشكلة عمو …”

قلت لها ضاحكًا: “يا بنتي الرجل يعيش بمفرده وحيدًا مع الله وليس له مشاكل!!”

فقالت: “عمي عنده إعتقاد – لا أعرف مصدره – أنه سيموت في يوم ١١  يناير … ففي كل سنة في أواخر ديسمبر يبدو مهمومًا ساكتًا، وقد يمرض … حتى متى جاء يوم ١١  يناير يقوم معافى … صحيحًا مقبلاً على الحياة … طبيعيًا في كل شئ“.

قال أبونا بيشوي: “وهو عمِك إشتكى لكِ؟” ثم أضاف أبونا: “نحن نحيا للمسيح … ليس أحد منا يعيش لذاته ولا أحد يموت لذاته، إن عشنا للرب نعيش وإن متنا للرب نموت، إن عشنا أو متنا فللرب نحن“.

وحوَّل أبونا دفة الكلام كلها من موضوع شخصي إلى موضوع يخص كل واحد منا من جهة حياتنا وغربتنا على الأرض ومن جهة أنها لا تتعدى أيامًا مهما طالت، وكم أوصانا المسيح بالصلاة والسهر والحرص … لكي يحفظ الإنسان نفسه في الإيمان والقداسة والمحبة، حتى يكون مستعدًا كقول يوحنا الرسول: “أيها الأولاد إثبتوا فيه حتى إذا أُظهِر يكون لنا ثقة ولا نخجل منه في مجيئه”. وهكذا أكملنا زيارتنا … وصلينا وانصرفنا.

ولما ركبنا السيارة قلت لأبينا بيشوي وقد تملكني العجب مما سمعت … قلت له: “ما صحة هذا الكلام أو هذا الشعور أو كما قالوا هذا الاعتقاد؟؟

أجابني أبونا: “توجد أسرار كثيرة لا يعرفها أحد …”

قلت: “معنى هذا أن الكلام صحيح؟

قال: “صدقني إن أسرار النفس مع المسيح أعلى من فكرنا ومن إدراكنا … إن كثرة قضاء أوقات اختلاء في البرية أو في البحر يقود النفس إلى التأمل ولا تجد أمامها إلا المسيح … فيصل الإنسان إلى حقيقة نفسه بلا رتوش ويدخل مع المسيح في علاقة حب وصدق، فتُكشَف له الأسرار …”

قلت له: “إذن، أنت مصدق هذا الكلام؟

قال: “ولِمَ أكذبه؟ … هب أن للرجل علاقة مع الله … فماذا يضير الناس؟ ولماذا الفضول من الناس؟

إنتهى حديثنا إذ كنا ذاهبين لنكمل الزيارات الخدمة … وهكذا مضت الأيام ونسيت الأمر.

عدت أزور بيت الدكتور موريس … وسألت عن العم، قالوا: “هو بخير … لقد عبر يوم ١١  يناير“.

وبعد سنوات لا أعرف عددها، جاءتني بنت الدكتور موريس … وهي تبكي … قلت: “ماذا؟

قالت: “عمي.”

سألت: “متى؟

قالت: “يوم ١١  يناير!!”

عدت بذاكرتـي إلى ذلك اليوم المعهود وتلك الزيارة وكلمـات أبونا بيشوي وتعجبت ورددت الكلمات في ذهني

ما أعجب أسرار النفس البشرية حين تجد المسيح، وترتبط به وتعرف نفسها فتعرف المكنونات.

رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين: ج ٤.

اية للحفظ

"لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها إسمي عظيم بين الأمم وفي كل مكان يقرب لإسمي بخور وتقدمة طاهرة لأن اسمي عظيم بين الأمم قال رب الجنود" (مل ١ : ١١)