Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

وأنا كمان

كان للمتنيح البابا كيرلس السادس مع الشهيد العظيم مارمينا العجايبي دالة عجيبة، أعمق من أن يدركها الناس، فأرواح الأنبياء مخضعة للأنبياء. وعمق الشركة مع القديسين في المسيح يسوع واقع حقيقي ليس في خيال أو مبالغات في الكلام.

لقد لمس القريبون من البابا القديس هذه الدالة وكانوا يتعجبون فيما بينهم ويتناقلون هذه الأخبار العجيبة التي تحدث كل يوم في حياة البابا وهو يرعي ويعتني بقطيع المسيح مسنودًا من الشهيد العظيم مارمينا العجايبي.

أعرف إحدي السيدات التقيات وهي من عائلة متدينة من قنا، يحيون حياة مسيحية ويتحلون بفضائل جميلة، عائشين في خوف الله ويتمسكون بالإيمان وحياة القداسة. وكانوا – كعائلة – معروفين لدي البابا كيرلس مقربين إليه إذ قد أدرك بإفرازه الفائق مدي حبهم للمسيح وتمسكهم بالفضيلة وحياة الإيمان فيهم.

وكانت هذه السيدة من الذين يواظبون علي القداسات اليومية لاسيما في فترة وجود البابا بالإسكندرية … فهي حريصة علي نوال بركته يوميًا هي وبعض أفراد عائلتها.

وحدث ذات يوم بعدما فرغ البابا من صلاة القداس الإلهي وبارك الحاضرين ووزع عليهم البركة وهو في طريقه إلي قلايته أمسكت به سيدة تبكي بدموع وتستغيث بالبابا أن يعينها في تجربة مرة كانت مُجربّة بها، وكنت في ذلك اليوم حاضرًا مع البابا صلاة القداس وعبثًا حاولت أن أهدىء السيدة التي كانت منفعلة بكثرة البكاء … وكان منظرها ولجاجتها يذكرانني بالمرأة الكنعانية التي كانت تصرخ من أجل ابنتها حتي أخذت من الرب شفاء ابنتها.

كان المجتمعون حول البابا يراقبون هذا المنظر، والحق يقال أن هذا المنظر كان يتكرر كثيرًا من ذوى الحاجات والأمراض والضيقات والتجارب، وكانوا يثقون أن باباهم الحنون يستطيع بنعمة المسيح أن يربح التعابي منهم.

إلتفت البابا إلي هذه السيدة المسكينة وقال لها بأسلوبه العذب: ” طيب يابنتي هانبعتلك مارمينا، خلاص خلاص هانبعتلك مارمينا”.

وكانت تقف إلي جواري من الناحية الأخري الأخت الصعيدية مع بنت أختها تراقب إلحاح السيدة وجواب البابا ووعده أنه سيرسل لها مارمينا. وإذا بهذه الأخت تصرخ نحو البابا وتقول: “وأنا يا سيدنا وأنا ياسيدنا …”

فالتفت إليها البابا وقال: ” عاوزه إيه يابنت إنتي؟”

فقالت في سذاجة تشبه الأطفال الصغار: “إبعت لي مارمينا يا سيدنا … إبعت لي مارمينا” … فقال لها البابا وهو يبتسم: “طيب روحي يابنت إنتِ كمان.”

إنصرفنا بعد أن صعد البابا إلي قلايته، وذهب كل واحد إلي حال سبيله … وذهبت هذه الأخت إلي مدرستها لأنها كانت مدرسة في إحدي المدارس الإعدادية وعادت في آخر النهار إلي منزلها واهتمت بأمورها المنزلية، وأعدت الطعام لزوجها. ولما عاد من العمل تناولا الطعام معًا … إذ لم يكن لهما أولاد. وزارهما بعض الأقارب كعادتهما وقضيا وقتًا طيبًا بين الكلام الروحي والصلاة وسير القديسين لأن هذه هي عادتهم إذا اجتمعوا، وهي ناسية تمامًا ما حدث في الصباح مع البابا، إذ لم تضع هذا الأمر في حسبانها ولا أولته اهتمامًا … كانت قد نسيت كل شىء.

وبعدما صليا صلاة نصف الليل هي وزوجها التقي خلدا إلي النوم وكانت الساعة تقترب من الحادية عشر قبل منتصف الليل.

وحوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل وبدون مقدمات، فتحت هذه الأخت عينيها مستيقظة من نومها وسمعت صوت باب الحجرة ينفتح وهالها المنظر الرهيب النوراني …..

مارمينا العجايبي بمنظره التقليدي رافعًا كلتا يديه وبردائه القصير يدخل في هدوء عجيب … ويتقدم نحوها كطيف نوراني رقيق … توقفت الأخت عن التنفس مرتاعة إذ داهمها شعور بالخوف وعدم الاستحقاق. لم تضبط نفسها ولم تصدق ماتراه. حاولت في تلك اللحظة أن توقظ زوجها، استجمعت قواها لكي تحرك يدها لتوقظه فلم تستطيع أن تحرك ذراعها … حاولت أن تنادي زوجها فلم تجد نفسها قادرة علي الكلام. تجمدت تمامًا، وبالكاد من هول ما أصابها إستطاعت بعد جهد أن تسحب البطانية وتستر بها وجهها … ولم تدر بنفسها كيف غلبها النعاس فنامت.

قامت في الصباح الباكر متأخرة أكثر من ساعة عن ميعادها، قالت في نفسها لقد تأخرت عن القداس، لكنها بسرعة جهزت نفسها للخروج وجرت مسرعة الي الكنيسة وبالفعل وصلت إلي الكنيسة المرقسية.

كان البابا قد انتهي من القداس وصرف الناس وصعد الي قلايته، وفي عجلتها هذه وشعورها بالتأخير وفي محاولتها للوصول في هذه الزحمة كانت قد نسيت الرؤيا التي شاهدتها في فجر اليوم. سألت عن البابا قالوا لها لقد صعد إلي قلايته من دقائق. جرت مسرعة إلي الطابق العلوي قرعت الباب فتحوا لها. وهي معروفة لدي السكرتاريين وخدام البابا. قالت “سيدنا فاتح؟”

قالوا لها نعم. قالت آخذ بركة … قالوا لها أدخلي … دخلت مسرعة.

وكان البابا جالسًا علي كرسيه في طرف صالة الاستقبال الملحقة بقلايته. عملت مطانية من عند الباب وهي تقول السلام لك يا سيدنا …

فاجأها البابا بأن رد عليها بصوتٍ عالٍ وهو محتد وقال لها: “إنتِ يا بنت يا قليلة الذوق، إنتِ ماعندكيش دم”.

إستغربت غاية في الغرابة لماذا هذا الكلام … ولأول مرة تسمع سيدنا يوبخها. ماذا يا سيدنا .. ليه يا سيدنا؟

فقال لها: “نبعت لِك الرجل تعملي فيه كده!”

هنا تذكرت الأخت الرؤيا ومنظر مارمينا … فصرخت تعتذر … خفت يا سيدنا. حقك عليا أنا خفت ولم أعرف ماذا أفعل … أخطيت حاللني وسامحني”.

عاد البابا يبتسم ويقول لها: “لما انتِ مش قد الحاجات دي تبقي تسكتي”.

طلبت إليه أن يصلي لها. وضع يده علي رأسها وباركها. وكانت تتوسل إليه وتقول أوعي مارمينا يزعل مني ياسيدنا، وكان البابا يضحك ويقول: “القديسين مايعرفوش الزعل يابنتي”.

عادت السيدة تقص عليّ في ذات يوم هذه الحادثة العجيبة. لقد أرسل لها مارمينا فعلاً، وعاد مارمينا فحكي للبابا ما حدث مع السيدة تمامًا … أصابتني دهشة عظيمة … إلي هذا الحد من الصداقة والألفة صار البابا مع مارمينا … أحسست أننا نعيش أيام السماء علي الأرض … لا فرق … لا حساب للزمن … لا حدود للمكان…

اية للحفظ

(يعطي المعيي قدرة ولعديم القوة يكثر شدة (أش40: 29 .