Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

منبر الوعظ

نيولا Nyole Sadunaite  من مواليد ليتوانيا (إحدى جمهوريات الإتحاد السوفيتي) عام 1939، لذا لم تحظَ بفترة الحرية القصيرة التي نعمت بها بلادها من بين الحربين العالميتين. ذكريات طفولتها المبكرة كانت عن الاحتلال الألماني، وكانت كل مراحل دراستها تحت النظام الجديد (الذي فرضته قوات الاحتلال). في عام 1939 ضم الإتحاد السوفيتي وطنها إلى ولاياته، ثم عقب ذلك الاحتلال الألماني، الذي لاحقه انضمام كل دول البلطيق إلى الإتحاد السوفيتي في نهاية الحرب العالمية الثانية.

أمضت نيولا الستة أعوام الأخيرة (حتى عام 1983) في المعتقل والنفي. إن إلقاء القبض عليها ومحاكمتها لم يقدرا أن يغيرا شيئًا من هدفها في الحياة. بل إنها صارت أكثر تكريسًا لمثالها الأعلى في البذل وخدمة الآخرين. فهي حتى قبل اعتقالها لم يبدُ عليها أبدًا أنها تهتم بنفسها في شئ، بل جل همها كان هو رعاية المرضى الفقراء وخدمتهم، هذا العمل الذي كرست له حياتها بالكامل، مع الاهتمام بالترويج لقضية الحرية والمطالبة بها من جهة الكنيسة، التي تفانت في حبها وآمنت بولع بكل حقائقها. فعاونت على طبع ونشر جريدة مُكرَّسَة لهذا الغرض. وكانت توزعها نوعًا ما علانية، وبعد إصدار خمسين عدد قبِض عليها رجال المخابرات السوفيتية.

إستطاع بعض الأصدقاء أن يجتازوا “كوردون” الأمن ويشاهدوا المحاكمة في يونيو 1975 م. ومن شهادة هؤلاء نعرف كيف دافعت نيولا عن نفسها أمام المدعي العام. فإذ كانت من الشجاعة بمكان، وأسمى من أن ترهب متهميها، إتخذت من قفص الاتهام في قاعة المحكمة منبرًا للوعظ، وكأنها في كنيسة. شعبها هم: رئيس المحكمة والمستشارون المساعدون، ومجموعة من الخصوم، وصفوة مختارة من الملحدين، وكذلك عمال سُرِّحوا من أشغالهم خصيصًا ليشاهدوا محاكمة هذه الشابة العزلاء.

أما هي فإنها اتجهت إلى متهميها وقالت: “إني أحبكم جميعًا كما لو كنتم إخوتي وأخواتي، ولا أتردد أبدًا بأن أضحي بحياتي من أجل أيٍّ منكم. ولكنكم اليوم لستم في حاجة إلى تضحيتي، بل أنتم في مسيس الحاجة أن تسمعوا الحقيقة التي تُنطَق الآن أمام أبصاركم وعلى مسامعكم: “نشرة الأخبار” هذه التي تحاكمونني على إصدارها، هي أشبه بمرآة تعكس كل جرائم الملحدين التي يرتكبونها ضد أولئك الذين يؤمنون بالله. لا شئ أسوأ على المرء من أن يرى بنفسه صورته القبيحة منعكسة أمامه، إنه يمقتها ولا يطيق أن يتطلع إليها. هذه هي العِلّة في أنكم تبغضون كل من رفع قناع الزور والنفاق الذي تختبئون وراءه”.

وحالما سمعت نيولا النطق بالحكم عليها بست سنوات تقضيها في معتقلات الأعمال الشاقة والنفي بعيدًا عن وطنها، رفعت صوتها وقالت: “هذا أسعد يوم في حياتي. اليوم أقف معتزة بجانب الحق الأزلي الأبدي، بجانب الرب يسوع المسيح نفسه. كيف لا أكون سعيدة والله الكلي القدرة قد سبق فأراني نصرة النور على الظلام، والحق على الأكاذيب والتزييف؟”

ولكن في الحقيقة كانت هذه بداية قصتها، وليست نهايتها … فقد عانت أشد المعاناة في سفرها بالقطار أربعة أسابيع متواصلة إلى معتقلات الأعمال الشاقة في سيبيريا، مجردة حتى من أقل الضرورات الأساسية للحياة، وكانت تبدو في غاية من الضعف والإنهاك عندما كانت تتطلع من القفص الحديدي (في عربة المجرمين).

قصص مسيحية من واقع الحياة: ج19: شهود وشهداء

اية للحفظ

 "ليقل الضعيف بطل أنا" (يؤ3: 10