Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

مثال نادر للتوبة

كان رجلاً عاديًا في كل حياته لم يكن شئ ليميزه عن باقي الرجال في جيله وعمله وطريقة معيشته. كان يعمل مدرسًا وتجول بحكم وظيفته في بلاد كثيرة واستقر به الحال بعدما تزوج وأنجب الأولاد في إحدى مدن الصعيد المطلة على النيل، ولم يكن لهم في المدينة الصغيرة مجالات للترفيه والتنزه سوى سينما واحدة، ولم يكن الرجل يتردد عليها كثيرًا، فكان يفضل أن يركب مركبًا في النيل هو وأولاده وبعض الأصدقاء. ولم يكن الرجل من المترددين على الكنيسة بالمعنى المعروف بين الناس، وفي اعترافاته أنه لم يكن إلى ذلك الحين يعرف معنى التوبة، فكان كثير الخطأ وكثير السقوط ولكنه كان طيب القلب جدًا رقيق المشاعر إلى أبعد الحدود.

وفي يوم من أيام العطلة للمدارس في وسط العام كان الرجل ومجموعة كبيرة في عرض النيل على ظهر إحدى المراكب والكل في غاية السرور، والشبان في لهوهم وتهريجهم إندفعوا إلى جانب واحد من المركب الصغير فاختل اتزانهم فانقلبت بالجميع وهم في أعمق منطقة بالنيل، فصرخ الرجل من عمق قلبه صرخة عميقة إلى الله، لأنه لم يكن يعرف العوم، وقد كان معه إبنه الوحيد في ذات المركب. وكانت الأم والبنات في المنزل لم يرغبن في النزول في ذلك اليوم. إحتضن الرجل إبنه وحيده وقد تحقق أن كل شئ قد انتهى في لحظة، لم يكن هناك وقت للتفكير، وما أعجز الإنسان في مثل هذه الظروف. ولكن الرجل يقول: “إنني لم أشعر أنني صرخت إلى الله في حياتي كلها من أعماق قلبي مثل ما صرخت”. وفي ساعتها أحس الرجل بيدين حانيتين تحملانه، شعر بهما فعلاً وبطريقة حسية كاملة. حملته هاتان اليدان إلى الشاطئ وهو محتضن إبنه وحيده، ولم ينجُ من الموت يومئذ سوى هذا الرجل وولده.

وكانت البداية لحياة تقديس: صلوات لم يذق طعمها من قبل وعزوف كامل عن زخرف العالم الكاذب واحتقار لأباطيله. لقد سقط العالم من نظر الرجل، بل انفتح أمامه مجال أسمى بما لا يقاس. لقد وجد نفسه، وقد أعطاه الرب حياة جديدة، أيامًا جديدة. كان الرجل طيب القلب حقًا مخلصًا للغاية، فحوَّل الأيام كرصيد له في السماء.

كان يرجع من عمله بعد الظهر فيدخل إلى حجرته يصلي مزامير الساعة التاسعة ثم يتناول طعام الإفطار. لقد نذر صومًا للتوبة والرجوع إلى الله كذبيحة شكر، ثم يستريح قليلاً ثم يدخل إلى حجرة مكتبه وقد خصصها للصلاة منذ ذلك اليوم ويظل شاخصًا إلى السماء يصلي من أعماقه ويتمتع بالمزامير والتسابيح ويعكف على كتابه المقدس يأكل من مشتهياته ويتتلمذ عند قدمي قديسيه. ظل الرجل هكذا في حياته السمائية وتمتعه، وهو مثل العطشان الذي ينهل ماء الحياة بشغف وحرارته الروحية في اتزان كامل تزداد كل يوم.

وفي ليلة من ليالي الصلاة بينما هو شاخص إلى السماء، إذا بسقف الحجرة وكأنه غير موجود وإذا السموات مفتوحة. إنذهل عقل الرجل من فرط الحب الإلهي، وتثقل بمشاعر اتضاعه وعدم استحقاق لا يعبر عنها، لقد كشف الرب بصيرته ليرى ما لا يُرَى. وكان الرجل يحتفظ بهذه الأمور كلها في قلبه لم يبح بها لأي إنسان.

كان الرجل يذهب إلى الكنيسة منذ حادث المركب بانتظام، في القداسات والعشيات والاجتماعات الروحية، هادئًا ساكنًا وديعًا. لقد علل الكثيرون تصرف الرجل بأن الرجل متأثر بالحادث وأنها فترة للتأثر ثم يعود إلى طبيعته وحياته القديمة مثل جميع الناس الذين يتأثرون بالأحداث وقتيًا، ولكن التغير في قلب الرجل لم يكن من هذا النوع الوقتي، لقد اختبر حقيقة زوال العالم واختبر حقيقة الحياة والفرح الروحي والوجود الدائم مع الله، لا بالوعظ ولا بالكلام، ولكنها حياة.

كان القداس الإلهي هو أشهى ما له على الأرض بعد أن كان في الماضي مملاً وثقيلاً على نفسه ولم يكن يطيق البقاء في الكنيسة، لقد صارت الكنيسة هي الفردوس، القداس هو التناول من شجرة الحياة.

وهكذا بعد مرور السنين شهد جميع عارفيه أن الرجل صار مثلاً للحياة المسيحية وتجسيدًا للوصايا الإنجيلية، لقد صار حلوًا لكل أحد وديعًا بلا تكلف حنونًا على الجميع، لقد اختلطت حياته اليومية بروح الصلاة والاتضاع والخدمة الباذلة وكانت النعمة تعزيه بالإعلانات الإلهية والمناظر الروحية.

دخل مرة إلى الكنيسة وكان يصلي القداس كعادته، ثم رفع بصره بينما الأب الكاهن يصلي مجمع الآباء القديسين، فرآهم يملأون الهيكل واحدًا فواحد، وكُلما ذكر الكاهن إسمًا ظهر هذا القديس لينضم إلى خورس النورانيين. صارت دموع الرجل تجري كالنهر، وهو واقف بجوار الهيكل وتحقق العبارة التي نصليها دائمًا: “إذا ما وقفنا في هيكلك المقدس نُحسَب كالقيام في السماء”. حقًا ما أرهب هذا المكان، ما هذا إلا بيت الله وهذا باب السماء. وكانت هذه الإعلانات تزيد الرجل في اتضاعه وشعوره بخطاياه وعدم إستحقاقه، وكان يتقدم في الفضيلة ويتنعم بالصلاة.

كان العدو يحرق أسنانه كلما رأى الرجل يزداد في الفضيلة والرجل ليس محنكًا في الحروب الروحية ولا هو متتلمذ على أب حكيم في دير أو مدبر ذي بصيرة في البيعة بل إنسانًا بسيطًا آزرته النعمة وقد جرى في الطريق الروحاني بكل طاقة وحب، وإن كان المشتكي على جنسنا قد جرَّب القديسين، وأُعطِي سلطانًا كرئيس هذا العالم، وقد وقف يحارب رؤساء الآباء، فمن يكون هذا الإنسان البسيط. لقد ابتدأ الشيطان يبسط شباكه وحيله الخبيثة حوله.

بدأ يشكوى الجسد أعراض مرض وضعف الجسد، وإحتياجه للراحة، الغذاء، وكانت هذه خطوات في طريق الكسل، ثم الفتور في الصلاة، وابتدأ العالم ينساب قليلاً قليلاً إلى داخل الحياة … مثلما ينساب الماء داخل المركب الكبير من ثقب صغير، ودارت الأيام دورتها … ونجح الشيطان في حيله وعاد الرجل يعيش سيرته الأولى.

كان يفيق بين الحين والآخر، يتذكر مجد أيام التوبة والحياة مع الله، فيجمع ما تبقى من قوة ويقف للصلاة، ولكن كلمات الصلاة فاترة ضعيفة إنه يصلي كمن يؤدي واجبًا ثقيلاً، الصلاة بلا طعم، القداس، الإنجيل، بلا تأثير. كان يتأسف في نفسه ويندم ويتحسر على أيام زمان، ولكن يومًا فيوم ضاع كل شئ، حتى الندم والتأثر. صار كمن مات ضميره، وهكذا في نهاية المطاف سقط سقطته القديمة ورجع إلى أصدقاء الشر.

ولكن الله الغني في الرحمة، المتعطف على أحبائه لا يترك الأبرار في ضعفهم أو ضيقتهم، ولا يترك الشيطان ينتصر على أولاده إلى النهاية، بل يقود أولاده في موكب نصرته كل حين بالمسيح يسوع، ويعوض عن السنين التي أكلها الجراد. عادت النعمة تفتقد هذا الإنسان البائس بعد أن كان يرجع إلى ينبوع الدموع ومخدع الصلاة، وهو يقول لله وقد تقدمت به الأيام وقد ناهز الستين من عمره، وكان يقول في صلواته التوسلية بنفس منكسرة: “هل لي من قبول؟”

وهكذا بدأت الحياة تجري في مجراها، وتحيي موت الرجل وعادت أيام السعي في الطريق للحياة الأبدية، وكما في أيام إسحق أبينا، عاد فَنَبَش الآبار القديمة التي طمها العدو، آبار الروح واحدًا فواحد حتى بئر سبع أي بئر الشبع.

وجاءني الرجل وجلس إلى جواري، شيخ وقور يعترف، وابتدأ في الكلام، وبدأت دموعه تنساب في غزارة لم أرَ مثلها، قال الرجل: “الآن علمت ان الرب صالح وطيب وقابل للخطاة، وتحققت أنه مهما كثرت خطايانا فدم يسوع المسيح يطهر من كل خطية، وحيثما كثرت الخطية إزدادت النعمة جدًا، لقد ظننت أنه لا رجوع لي إلى رتبتي الأولى وأيام توبتي الأولى ولكن ما لا أستحقه بعد كثرة خطاياي أعادته النعمة لي”. قلت له: “كيف كان ذلك”؟ قال: “دخلت الكنيسة بالأمس وكان قد انقطع عهدي بالمناظر الإلهية والإعلانات لكثرة خطاياي وفتوري وظننت أنه لا عودة إلى قامتي ومقامي الأول، ولكن للعجب الشديد إنفتحت بصيرتي مرة أخرى ورأيت الهيكل وقد امتلأ بأرواح القديسين والملائكة في ساعة التقديس، بشكل لا يوصف فعادت نفسي إلى مسكنتها الأولى وإتضاعها وفرحها، وتأكدت أن الله يوازن كثرة خطايانا بغزارة محبته، وأن باب التوبة مفتوح أمام أشر الخطاة.

لقد جمَّل الرجل حياة هذا الرجل بالآلام في ختام أيامه، فكان يتزكى قدام الرب كل يوم في صبر كثير وشكر ورضا وتسبيح لا ينقطع إلى أن انضم إلى مصاف النورانيين لينعم بكمال العربون الذي ذاقه وهو بعد في الجسد.

اية للحفظ

محبة أبدية أحببتك من أجل ذلك أدمت لك الرحمة" (أر31: 3) .