Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

ليلة عيد ميلاد في أوكرانيا

إعتادت باراسيا Parasia أن تُعير بيتها للصلوات الليتورجية بعد أن قُتِل زوجها وهرب إبنها الوحيد إلى منطقة جبلية إلا أن صديقًا له أفشى سره ربما تحت التهديد فأمسكوه وأعدموه. لقد عاشت حياة توحدية تقضي أيامها في الصلوات إذ أن الله منحها استنارة روحية بددت حزنها الشديد فلم يغب عن وعيها الإحساس بالحضرة الإلهية وكأنها مدعوة للصعود مع المسيح إلى الجلجثة.

عندما أتوا إليها بجثة إبنها وسوس لها صوت أن تجدف على الله، وصوت آخر يقول لها: “صلي من أجل القاتلين”، ظلت تفكر في الاتجاهين حتى كادت أن تتمزق. لكنها اختارت الطريق الأفضل إذ شعرت أن كل عقد مأساة حياتها إنحَلَّت إنطلاقًا من هذه العبارة: “صلي من أجل القاتلين”، وبهذا عاشت صامتة مع الناس متكلمة مع الله.

وصل الأب ديمتري إلى بيتها ليعد معها المكان لقداس عيد الميلاد، وسألها أين يأخذ الاعترافات؟ فأشارت إلى مكان منعزل، وقالت له: “إن فاسيل Wasyl ذاهب إلى مفرق الطريق ليستقبل الذين يعرفون كلمة السر الذين سيشتركون في الصلاة، فاسمح لي أن اعترف حتى يعود”.

ركعت بكل وقار وقدمت اعترافها ثم قالت أنها ترى الله هو الكل في أعماقها وهو كل حياتها، الشر منها والخير منه غير أن الخير أقوى بكثير لأنه صادر من المحبة التي هي الله ذاته. وبعد أن طلبت الحِل سألها الأب ديمتري: “ألا تطلبين الغفران للذين أساءوا إليكِ؟”

أجابت: “لقد أُلقِي على عاتقي مسئولية الصلاة من أجلهم. فقد طلبت مني ذلك والدة الإله بدموع، ولذلك ليس عندي أي حقد عليهم. لقد تغير قلبي تمامًا من جهتهم، إنهم شاردون وينبغي أن نعاملهم بود شديد وأجاهد أن أقدم لهم المحبة. لكني مذنبة لأني لا أحبهم بالقدر الكافي ولا كما ينبغي”.

ألقى الأب ديمتري عظة مؤثرة عن ميلاد مخلص العالم في حظيرة حقيرة باردة لا يدفئها سوى أنفاس الحيوانات، وقال أن هذا الحدث العظيم مازال يحدث لأنه يولد في نفوس كل من يحبونه ويصلح كل شئ في أعماقها ويسكب محبته بفيض ثم تبدأ القلوب تتوجع من أجل الذين يضطهدوننا الجديرون بكل الشفقة والإحسان الروحي منا. إن كل من يحب الله وبالتالي كل الناس خليقته ينعم بعيد ميلاد دائم حتى إن كانت نفوسنا كئيبة تعسة.

أما باراسيا فجلست على عتبة الباب تتابع العظة وتتأمل بعمق نور الحجرة الخافت وسط تنهد الحاضرين وبكاء الكثيرين منهم لأنهم أحسوا أن العظة مسَّت قلوبهم.

وبغتة هبطت على كتفها يد ثقيلة وصوت سألها بعنف مهددًا: “قد أتى الوقت للقضاء على جنونك. من أين يأتي الكاهن؟” أدركت خطورة الموقف وفكرت كيف تُسلِم نفسها دون الآخرين، ثم رفعت قلبها في صلاة ليترأف الله بالمصلين ولا يُفقَد منهم أحد.

مضى الرجل يقول: “أكيد كانوا هنا طيلة هذه الليلة وسأعرف ما سأعمله معهم”. ثم سألها بعنف فيما تفكر وماذا تعمل الآن على عتبة الباب؟ ردت عليه بصوت سمعته في قلبها: “كنت أصلي من أجلك”.

قهقه الرجل ساخرًا وقال: “يا له من شرف عظيم! أنتِ تصلين من أجلي أنا؟ أنا الذي أستطيع أن أقضي عليكِ بلوي عنقك؟”

شعرت باراسيا بيدان تمسكان برقبتها لكنها لم تخف البتة بل كررت ما كانت تتلقنه في داخلها حرفيًا: “نعم، أنت في حاجة لمن يصلي عنك لأنك إنسان بائس. لماذا لا تشفق على نفسك المسكينة؟”

إخترقت كلماتها أعماق الرجل كسيف، إلا أنه قال لها: “أنا لا أعتقد بما يسمى نفسًا. إبعدي عني!”

أما هي فأصرت قائلة له أنها ترى حقيقة نفسه المخلوقة على صورة الله غارقة في طين الحمأة. إنها كطفل مقيد، كرضيع محبوس. ثم أضافت: “ألا تسمعها تبكي؟ ليتك تشفق على نفسك المسكينة الشقية!”

لم تكن تعمل سوى أن تردد ما يُوحَى إليها أولاً بأول. كل ما كانت تقوله باراسيا وصف لرؤيتها الداخلية التي معها نسيت كل شئ حتى معنى الخطر أو مدلول الزمن. وإذا أرادت أن تُعَبِّر عما يجول في خاطرها ما كان يقدر شئ ما في العالم أن يعوقها عن الكلام. كانت ترى خطاياه واحدة فواحدة بكل تفاصيلها في مختلف سنوات عمره. ثم فجأة صاحت: “أنت يهوذا الخائن الذي أصلي من أجله! أنت الذي شنقت إبني! أتوسل إلى الله أن يغفر لك”.

إن هذا الرجل هو الذي كشف مكان إبنها وسلمه للمعذبين، وهو الذي كشف مكان قداس العيد وأسماء المشتركين فيه. كان يأمل أنه بالتبليغ عنهم ربما يمكنه أن يحوز على ترقية خاصة.

لكن الرب غير قلبه على يديها فارتمى عند قدميها وأخذ ينتحب بشدة، أما هي فشعرت بفرح غامر من أجله وأقامته وهي تقول: “سلام لك من الله يا ابني، هذه ليلة السلام الحقيقي”.

“ماذا يمكن أن أعمل يا والدتي العزيزة؟”

“تعالَ معي … الكل ينتظرونك”. ثم قادته إلى مكان القداس.

توقف الأب ديمتري واتجهت أنظار الكل نحو الضيف الجديد، أما هي فقالت بهدوء مطمئنة إياهم: “قد أقبل إلينا هذا الإنسان الغريب، وها أنا أقدمه إليكم أخًا حبيبًا!”

قصص مسيحية من واقع الحياة: ٩ : ليلة عيد ميلاد في أوكرانيا.

اية للحفظ

"إذًا نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا. نطلب من المسيح تصالحوا مع الله" (٢ كو ٥ : ٢٠)