Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

ليس بكيل يعطي الله الروح

في عشية أحد الأيام منذ عدة سنوات خرجت للافتقاد في منطقة بجوار الكنيسة التي أخدم فيها في تورانسTorrance وهي منطقة جبلية ملاصقة للمحيط … مثل هذه المناطق تتمتع بالهدوء الشديد فهي مناطق لا تضاء شوارعها ليلاً لكي تحتفظ بهذا الهدوء الريفي.

عائلة د. مجدي تسكن هذه المنطقة: هو وزوجته وولديه … منزل أدخله لأول مرة. تعرفت عليهم … هو أصلاً من حي محرم بك بالإسكندرية، ويعرف أبونا بيشوي كامل أيام كان خادمًا في كنيسة السيدة العذراء بمحرم بك.

الزوجة سيدة طيبة هادئة تبدو الوداعة في ملامحها، جلسنا … فتحنا الإنجيل … كانت معرفتهم بسيطة جدًا بسبب غربتهم لسنوات طويلة بين كندا وولايات أمريكا، وفي معظم الأحيان لم تكن حولهم كنيسة قريبة منهم، إلى جانب المشغوليات الكثيرة وزحمة الحياة ومتطلبات المجتمع … على كل حال قرأنا وتطرقنا في الحديث إلى فهم الإنجيل والتمتع به والحياة فيه … وقرأنا كيف أن حزقيال النبي أكل الكلمة الإلهية أكلاً حقيقيًا فصارت في فمه كالعسل حلاوة … وقلت لهم أننا نفسر الإنجيل في عشية كل يوم سبت، فقبلوا الكلام بفرح وبدأوا يواظبون على الحضور على قدر ما سمحت بهم ظروفهم.

كانت الأخت ماجدة كأرض عطشى، فما أن وردت المياه حتى اندفعت بكل قوة وإخلاص تنهل من ماء الحياة … ففي حياة الصلاة التي وجدتها في المزامير صارت لذتها وفرحها، تدوم فيها إلى أوقات طويلة ليلاً ونهارًا.

وفي مادة الإفخارستيا، وجدت المراعي الخضراء وماء الراحة فكانت القداسات والتناول من الأسرار شبع نفسها وكأس فرحها وتعزيتها … وقد انفتح لها باب عظيم في الكتاب المقدس، فكان أن عكفت تقرأه بانفتاح بصيرة عجيب وحب ووعي وإدراك نادر المثال.

ثم عرجت على الكتب الروحية تطلبها باجتهاد وتقرأ وتستزيد، كانت قامتها تنمو نموًا مضطردًا … سمعت أنه توجد كلية إكليريكية، فجاءت تسألني يومًا: “ما هي الإكليريكية؟”

قلت لها: “إنها كلية العلوم الروحية والدراسات الكنسية”.

قالت: “هل ممكن أن ألتحق بها؟”

قلت لها: “ممكن جدًا”. إلتحقت بالإكليريكية بطريقة جدية، كانت كتلميذة مواظبة وأمينة، وكانت كلما تمتعت بشئ من المعرفة الروحية تشرك زوجها في الخيرات، بكل وسيلة وفي كل مناسبة.

كان زوجها سعيدًا بها أيما سعادة وكان يقول دائمًا: “إن ماجدة التي لم تكن لها معرفة بشئ قد صارت مملوءة نعم وفضائل، بل هذ قادرة بنعمة الله أن تعلم الكثيرين”. صارت في وقت قليل جدًا كأنها قضت سنوات وسنوات … وفي الحقيقة إن ما حصَّلته في سنوات قليلة كان كثيرًا وكثيرًا جدًا.

وفجأة بلا مقدمات … شعرت ببعض الأعراض … ثم الفحوصات … ثم اكتشاف نوع عنيف من السرطان … ثم العمليات ورحلة العلاجات والأتعاب والآلام القاسية … دوامة عجيبة جاءت مباغتة بدون تمهيد.

ولكن في كل هذا كانت حياتها في المسيح تزداد إشراقًا، وقد طبعت النعمة على وجهها الملائكي ملامح القديسين … الشكر لم تكن تكف عنه نهارًا وليلاً … الاحتمال وعدم الشكوى أو التذمر كان يذهل من حولها.

إلتصقت بها إحدى السيدات التقيات من منطقة بعيدة عنا، لكنها أظهرت نحوها إهتمامًا منقطع النظير، فتركت منزلها معظم الوقت والتصقت بها لا سيما في أيام وجودها بالمستشفى وكانتا تقضيان معظم الوقت في الصلاة والقراءة المقدسة، وحتى الصمت كان لحساب المسيح.

وشهدت هذه الأخت المباركة لما سمحت لها مرة أن ترى ما يؤلمها … شهدت قائلة: “في حياتي لم أرَ مثل هذه البشاعة من المرض ولا رأيت مثل هذا الاحتمال”.

كانت ماجدة دائمة الابتسامة قليلة الكلام، لم يسمع منها أحد كلمة توجع، حتى آخر نسمة في حياتها … كان سرها مع المسيح عجيبًا. لقد ساقتها النعمة إلى معرفة عميقة بالمسيح ولكن في زمن قليل. وكانت تؤمن أن ما خفي عنها هنا من أسرار سوف تراه هناك بالعيان … كنت أزورها وفي كل مرة كنت أكتشف فيها عجبًا … حقًا “عجيب هو الله في قديسيه”، ومعاملات الله مع النفوس المختارة … من يستطيع أن يسبر غورها؟

قبل نياحتها بيوم واحد كنت عندها في المستشفى … قالت لي: “وصيتك الأخت فلانة …”. وفلانة هذه لها مشكلة عائلية صعبة … زوجها صاحب عقلية مختلفة، وطبعه حاد. وعبثًا لم تفلح المحاولات من كثيرين في تغيير حياته قلت لها: “إنتِ عارفة كل شئ فالطباع مختلفة، وهل الطبع يتغير؟”

قالت: “نعم يتغير”.

قلته لها: “كيف؟”

قالت بعد أن أغمضت عينيها لثوان: “نعم … النعمة … النعمة …”

فقلت في نفسي وقد تأثرت جدًا: “لقد عرفت الطريق تمامًا … إن النعمة قادرة على كل شئ …” فقلت لها مبتسمًا: “أوعدك أن أهتم بهذا الأمر … فماذا تعطيني؟”

قالت بجدية عجيبة وقد أشرق وجهها بنعمة: “أوعدك أنني سأصلي لك هناك في السماء”.

قلت: “إتفقنا …” وصليت لها وانصرفت.

وأشعر أنها تسندني بصلواتها هناك كما وعدت، وأنا متأكد أن النفوس المختارة لها عند المسيح دالة … وأي دالة.

رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين: ج 4.

اية للحفظ

"وأما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرية. ونحن جميعًا ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف كما في مرآة نتغير إلى تلك الصورة عينها من مجد إلى مجد كما من الرب الروح" (٢ كو ٣ : ١٧ - ١٨)