Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

كان عاملاً بدرجته

في أواخر عام ١٩٧٢ م، وفي بكور حبرية قداسة البابا شنودة الثالث، أرسل قداسته وفدًا كنسيًا لافتقاد أبنائه الرهبان في ديري الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا، للاطمئنان على أحوالهم الروحية والمعيشية، وفي ظل ظروف الحرب الصعبة التي كانت قائمة في ذلك الوقت … فقد كانت منطقة البحر الأحمر، في ظل احتلال إسرائيل لسيناء، منطقة عسكرية … وكان الدخول إليها غير متاح إلا بتصاريح خاصة من الأمن والجيش … لذلك كان ديرا الأنبا أنطونيوس والأنبا بولا يعيشان في شبه عُزلة كاملة، وفي ظروف معيشية صعبة للغاية.

ومن هنا أراد قداسة البابا شنودة أن يطمئن على أبنائه الرهبان في تلك المنطقة ذات الظروف القاسية … فشَكَّل وفدًا يضم إثنين من الآباء الأساقفة وبعض الآباء الكهنة والرهبان لزيارة الديرين، والسؤال عن أحوال الآباء الرهبان، والصلاة معهم، وتزويدهم ببعض المؤونة لتسديد احتياجاتهم … وكان الأبوان الأسقفان هما نيافة الأنبا باخوميوس مطران البحيرة الحالي، ونيافة المتنيح الأنبا أغاثون مطران الإسماعيلية السابق … وقد ذهب مع الوفد بعض الآباء الكهنة المحبين لأخذ بركة الديرين الطاهرين والآباء الرهبان المجاهدين، ومنهم قدس أبي المبارك القس تكلا لبيب كاهن كنيسة مارجرجس بالحضرة، وهو الذي أخبرني ببعض تفاصيل هذه الرحلة العجيبة.

وصل الوفد الكنسي المبارك إلى دير الأنبا أنطونيوس بعد رحلة سفر شاقة، فقد كانت الطرق في ذلك الوقت غير ممهدة بخلاف الآن … فاستقبلهم الآباء بفرح شديد، ودقوا الأجراس، وطافوا أمام الآباء الأساقفة بالمجامر وألحان الكنيسة الشجية، حتى دخلوا إلى الكنيسة وصلوا صلاة الشكر.

في المساء أقام الآباء الرهبان مائدة محبة ترحيبًا بالأبوين الأسقفين والوفد البابوي … وجلس الجميع حول المائدة في ابتهاج، وحضر معهم الأب الناسك الصامت الراهب يسطس الأنطوني، الذي لبى الدعوة لحضور مائدة الأغابي تقديرًا للوفد البابوي، على الرغم من أنه ليس من عادته أن يشارك الآباء الرهبان في المائدة بل يأكل بطريقته الخاصة جدًا، والمتقشفة جدًا جدًا … وكلنا نعرف أن هذا الراهب العجيب، الذي تنيح في ديسمبر ١٩٧٦ م، كان زاهدًا جدًا، وصامتًا أغلب حياته باستثناء المشاركة في صلوات الكنيسة الليتورجية من تسبحة وقداس …

على المائدة دار حديث عن الأنبا أنطونيوس أب كل الرهبان، وأثناء المناقشة ثار سؤال: هل كان الأنبا أنطونيوس كاهنًا أم لم يكن؟

وأخذ الحوار وقتًا طويلاً حول هذا الموضوع، وانقسم الحاضرون إلى فريقين، البعض يؤكد أن الأنبا أنطونيوس كان كاهنًا يقيم القداسات ويقبل الاعترافات، والبعض الآخر يقول بأنه لم يرد في سيرته أنه كان كاهنًا بل كان أبًا روحيًا ومعلمًا ومرشدًا لكثيرين في طريق الرهبنة بنذورها الثلاثة: العفة والطاعة والفقر الاختياري … وليس من الضروري أن يكون كاهنًا.

طوال الجلسة كان أبونا يسطس صامتًا تمامًا، لم يفتح فمه بحرف واحد وسط كل المناقشات المحتدمة، وأخيرًا وعلى سبيل الدعابة، رفع نيافة الأنبا أغاثون صوته قائلاً: “ماسمعناش صوتك يا أبونا يسطس … ما تقول لنا رأيك … الأنبا أنطونيوس كان كاهن والا ما كانش كاهن؟؟”

صمت الجميع في انتظار ما سيحدث … هل سيرد أبونا يسطس أم سيظل ساكتًا؟! فالذي يسأله هو أب أسقف، وليس من اللياقة أن لا يرد عليه ..!

بعد برهة من الصمت، فتح أبونا يسطس فاه بهدوء، ووجهه مُطرق إلى الأرض، وقال بصوت عميق: “كان عامل بدرجته” ..!

كانت الكلمة مُفاجِئة للجميع … فهو يلفت النظر إلى أن الأنبا أنطونيوس كان إنسانًا مجاهدًا متاجرًا بوزناته، سواء كان كاهنًا أم لم يكن … فبدلاً من أن ننشغل بهذا الموضوع غير المُجدي، لننتبه أن نكون نحن عاملين بدرجتنا ..!

صمت الجميع تمامًا، ولم يجرؤ أحد أن يفتح هذا الموضوع مرة أخرى!

+ ليس مهمًا نوعية الوزنات التي يأخذها الإنسان ولا عددها، ولكن المهم أن يتاجر الإنسان بما في يديه من وزنات وهبها الله له … فالعظمة لا تأتي من نوعية الوزنات والمواهب التي يمتلكها الإنسان، بل تأتي عندما ينجح في اسثمارها لمجد الله واهبها وصاحبها.

+ وأيضًا ليس من الصالح أن نشغل أنفسنا بالجدل حول أمور غير أساسية في الحياة الروحية، ولا تخدم خلاص نفوسنا … فهذا غير مفيد لمسيرتنا الروحية على الإطلاق ..!

+ ليكن كل واحد منا عاملاً بدرجته: الأسقف … الكاهن … الشماس … الراهب … الأب … الأم … الخادم … الخادمة … ولا ينبغي أن ننشغل بدرجات الآخرين ولا بما لديهم من وزنات، بل ننتبه إلى وزناتنا ونركز بكل جهدنا في المتجرة بها، لنقدمها لله رابحة، ونستحق أن يقال لنا: “نعمًا أيها العبد الصالح والأمين كنت أمينًا في القليل فأقيمك على الكثير أدخل إلى فرح سيدك” ( مت ٢٥ : ٢١ ).

لقاء الأحد: كلمات من القلب.

اية للحفظ

"لا تستشر المنافق في التقوى ولا الظالم في العدل ولا المرأة في ضرتها ولا الجبان في الحرب ولا التاجر في التجارة ولا المبتاع في البيع ولا الحاسد في شكر المعروف" ( سي ٣٧ : ١٢ )