Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

قداس في غرفة الإعدام

قال أوربان Urbain الراهب المسئول عن استقبال الضيوف مُحذرًا الأب برونو Brunoمدبر شئون الدير أن الإنسان المتقدم للرهبنة لا يصلح لهذا الطريق كما تدل ملامحه الغريبة، يظهر أنه ملاكم خطير أو عربيد وعلى ذلك …

أوقف الأب برونو تمادي أوربان في حكمه السطحي وقال له: “هدئ من روعك، فليس كل المقبلون على الرهبنة دائمًا آتين من عيشة هادئة. إن الله لا يأخذ بمظهرنا الخارجي وأن الكنيسة تقبل الكثيرين ممن لا يعتد بهم أحد. ألم يعلمنا الرب أنه لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، وأنه لم يأتِ ليدعو أبرارًا إلى التوبة!”

وما أن دخل الأب برونو إلى حجرة الاستقبال ورأى الرجل يشبه رؤساء العصابات الخطيرين، قال في نفسه أن أوربان على حق. هب الرجل يسلم على مضيفه وعرَّف نفسه: “بوجدان جريلا Bogdan Grela. صباح الخير”.

رد الأب برونو: “المجد لربنا يسوع المسيح”. ثم سأله ماذا يطلب ومن عرفه بهذا المكان. قال بوجدان أنه لا يجهل تحية المسيحيين التقليدية غير أنه لم يستعملها وأنه ليس معتوهًا كما يبدو من شكله ومن أنفه المجدوعة. فرد عليه الأب برونو في وداعة أنه لا ينظر إلى أنفه بل إلى نفسه، ثم سأله ثانية عن طلبه. صمت بوجدان قليلاً ثم قال بعصبية ملحوظة أنه يريد أن يلتحق بالدير.

قال أيضًا أنه كان حارسًا على زنزانة الأب ميخائيل قبل تنفيذ الحكم عليه وأنه في عشية الحكم بالإعدام طلب منه أن يذهب لمقابلة الأب برونو، لهذا جاء بعد أن طلب إعفائه من وظيفته كحارس في السجن.

بدأ الأب برونو يفقد ثقته في مُحدثه لأنه غير معروف ولأنه لا يحمل حتى توجيه كتابي يمكن أن يأخذ بها، غير أن قلبه امتلأ بالشكر لله وشعر أن صديقه الحميم يجيب تمنياته من وراء القبر وأن بوجدان يحمل له رسالة خاصة. ثم سأله في حزم: كيف أتحقق من كلامك؟

قال بوجدان الأب ميخائيل نفسه يؤكد لك ذلك فقد قال في عشية إعدامه: إن كان لا يصدقك يا بوجدان ذكره بما جرى بيننا فوق شجرة الخوخ. ذُهِل الأب برونو فقد قرر هو وميخائيل عندما كانا في الحادية عشرة من عمرهما أن يبشرا بكلمة الله في روسيا الشيوعية وأن يموتا شهيدين، وقد كان ذلك فوق شجرة خوخ عالية.

قال بوجدان أنه تعرف بالأب ميخائيل عندما جاءوا به إلى المعسكر – أي السجن – الذي كان يعمل فيه ومع أن قميصه كان ملتصقًا بجسمه تغطيه بقع الدم بكثرة كان كلامه هادئًا باشًا لا تظهر عليه علامة حزن أو كآبة.

أفاض بوجدان: لقد تمكنت من رؤية صدره وظهره المملوئين بالكدمات والجراح الغائرة، لم ينظر إليَّ أبدًا كعدو بل كان دائمًا يبتسم لي. دخلت زنزانته يومًا بعد العشاء وسألته لماذا يبتسم لي مع أنه سيعدم بعد 10 أيام؟ أما هو فقال إن هذا لا يهم، المصيبة الكبرى هي أن نخسر علاقتنا بالله الذي يهمه خلاصنا وهذا ما فعله بنفسه على الصليب إذ أُعدِم من أجلنا. فقلت له مهددًا: ماذا يهم إلهك؟ إنك ستعدم، ولماذا لا يتحرك لإنقاذك الآن؟

بدا لي أنا بوجدان جريلا أن هذا الكلام صعب الفهم وأنه يخص المتعبدين فقط، فقلت له أن الصليب ليس من أجلي أنا الشقي، أما هو فرد في الحال: بل يقينًا وحقًا أنه من أجلك أنت أيضًا مات الإله على الصليب.

إنصرف بوجدان وهو يظن أن هذا الكلام خيالي إلا أنه ظل يفكر فيه بعمق شديد، فقال له في اليوم التالي أنه يسخر من كلامه عن الله وصليبه. فرد عليه الأب ميخائيل: لكن الله لا يسخر منك بل يحبك.

قرع بوجدان صدره بانفعال قائلاً: “معقول؟ الله يحبني أنا؟ إن يداي مملوءتان بدماء الكثيرين!” ولكي أثبت له أنه من المستحيل أن يحبني الله بدأت أقص عليه كل قصة حياتي الشقية البائسة.

توفي والده فاضطرت أمه أن تشتغل طول النهار لتعوله هو واخوته وكان عمره 6 سنوات، لم يكن عندها وقت لرعايتهم، فتعلم السرقة ثم القتل وصار يستلذ بالدماء، فرحب به الروس المتطرفون لكفاءته في الإجرام وحسبوه كأحد رفقائهم. وكان الأب ميخائيل يستمع في هدوء وصمت كامل إلى أن فرغ بوجدان من اعترافه ثم قال: أهذا كل ما تريد أن تقوله يا ولدي؟

تأثر بوجدان جدًا بكلمة “يا ولدي” وأخذ يبكي بمرارة وكأنه كان ميتًا وبدأ يعيش، أما الأب ميخائيل فقال له إن دم المسيح يكفي أن يطهرنا من كل هذا، وكلمه عن محبة الله والخلاص والغفران وشعر بوجدان أن الأب ميخائيل يقدم له أمور من عمق حياته وخبرته الروحية، فقد تعود أن يزوره في زنزانته كل مساء ويقضي معه وقتًا طويلاً.

طلب الأب ميخائيل من بوجدان أن يحضر له قليل من النبيذ ورغيفًا من الخبز لأنه يشتاق أن يقيم قداسه الأخير، ثم أعطاه الحِل والبركة وقبله في محبة أبوية عميقة إقشعر لها بوجدان وقال أنه ملوث بجرائم كثيرة، فقال له الأب ميخائيل: “إن لم أكن مثلك تمامًا فهذا ليس فضلاً مني، إن نعمة الله هي التي حفظتني وفي هذا يتساوى كلانا. إن كلانا نخلص برحمة الله التي لا حدود لها.

بكى بوجدان بشدة عندما تحدث عن تناوله من الأسرار المقدسة معتبرًا أنه غير مستحق لها. أطرق الأب برونو رأسه ثم شكر الله قائلاً: الآن علمت يارب السبب الذي من أجله حُرمت من الأب ميخائيل.

إستطرد بوجدان: لقد أعطاني الأب ميخائيل عنوانك ونصحني أن أحكي لك عن كل شئ وأعمل ما ستقوله لي، وها أنا مستعد أن أعمل ما تطلبه مني.

أدخل إلى فرح سيدك …

صمت الأب برونو برهة ثم قال: إني أقبلك هدية ثمينة جدًا من الأب ميخائيل. أذكر أن حياتك الماضية قد غُسِلت وتنقت تمامًا في دم المسيح له المجد. لا تتكلم عنها مع أحد سوى في اعترافك المصحوب بالشكر أمام المسيح المصلوب من أجل رأفته الجزيلة.

قال هذا ثم نادى أوربان وعهد له بالأخ بوجدان طالب الرهبنة الجديد وأوصاه أن يعلمه الصلاة وواجبات العمل والصمت المقدس … إلخ.

قصص مسيحية من واقع الحياة: 13: قداس في غرفة الإعدام.

اية للحفظ

"لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك" (رؤ ٥ : ٩)