Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

غنى أمي

نشأت في أحضان أمي … تحيطني رعايتها وعطفها … وتتكفل بكل احتياجاتي واحتياجات إخوتي … لم نشعر أبدًا بشئ ينقصنا … إمتلكنا اللِعَب لنلعب والكتب لنقرأ … لبسنا الملابس النظيفة التي حاكتها أمي خصيصًا لنا … ونزلنا إلى مدارسنا وشعرنا منسق وأحذيتنا نظيفة ولامعة … كنت سعيدة في مدرستي أختزن كل ما هو جديد في العلم … وأنمي مواهبي … وأحظى بتقدير مدرساتي مما ملأني فخرًا … ومضت حياتي سعيدة هنية إلى أن بلغت المرحلة الثانوية.

في يوم شاهدت إحدى الزميلات تشير نحوي وهي تقول لزميلتها: “أنظري إلى هذه الفتاة الفقيرة”. كست الحمرة الشديدة وجهي … وانتفض جسمي الصغير من البكاء … وكان الحزن رفيقي طوال هذا اليوم. وفي طريقي لمنزلنا إشتد الصراع داخل نفسي … وتصادمت مشاعري … وتساءلت في مرارة: “ترى لماذا ظنت الفتاتان أني فقيرة؟” وللمرة الأولى أنظر إلى ثوبي بعين ناقدة … فأراه باهت الألوان بعيدًا عن كل جمال … أما حذائي فقد بلى وضاعت معالمه الحقيقية … أشفقت على نفسي … فزادت مرارتي. وعندما دخلت إلى منزلنا خُيِّل لي أني غريبة عنه … لقد صبغ الزمن جدران المنزل بآثاره المدمرة … بينما انكمشت وتصاغرت ستائره … وترنحت كراسيه … لم أكن أدري أني أسكن في مثل هذا البيت الذي ينطق بالفقر والعوز … إستغرقتني أفكاري السوداء فلم أسمع صوت أمي تدعوني متهللة كعادتها لتناول الغداء … لقد أعدت لي طبقي المفضل كعادتها أيضًا … وعلى الرغم مني قارنت بين هذه المائدة ومائدة زميلاتي التي تزينها أفضل أنواع الأطعمة … والمقارنة أشعلت الغضب المكتوم في داخلي وملأتني إحساسًا بصغر النفس والقنوط … وضاعف إحساسي بعجزي في مواجهة حياتي كما أراها الآن من ثورتي ويأسي … ترى لماذا لم تصارحني أمي بحقيقة وضعنا؟ لماذا تركتني في جهلي حتى تكشفه لي زميلاتي؟!

إستجمعت شجاعتي وذهبت حيث كانت أمي تعد لنا طعام العشاء في المطبخ وسألتها في حدة: “هل نحن حقًا فقراء؟” إنتظرت من أمي أن تنفي الأمر أو تدافع عن فقرنا أو على الأقل أن تهون عليَّ الأمر حتى تنتزع مني هذه المرارة التي تملأ نفسي … غير أن أمي نظرت إليَّ بنظرة ثاقبة وتريثت قليلاً قبل أن تقول لي: “بكل تأكيد نحن لسنا فقراء”. ثم أشارت بيدها نحوي ونحو إخوتي وهم يلعبون ويضحكون في الحجرة المجاورة … واشتعلت عينيها ببريق الحب الذي يبرط كل أفراد أسرتها وهي تردد: “بالطبع نحن لسنا فقراء”. ثم أمسكت أمي بيدي تستعرض أمامي غنانا … نحن نمتلك المأوى والغطاء … لدينا الملبس … نأكل حتى الشبع … لدينا الصحة … ونمتلك الحب الذي يربطنا معًا … ولكلٍ منكم مواهبه التي ينميها … وإن كنا لا نملك الكثير من المال إلا أن ما لدينا منه يكفينا … فماذا ينقصنا بعد؟

هنا كست ابتسامة الرضا والشكر وجه أمي … واستدارت مسرعة لتعد لنا العشاء … دون أن تدري أنها في هذا المساء لم تشبع جوعي الجسدي فقط بل أشبعت بكثرة غناها قلبي وروحي … إننا حقًا أغنياء !!!

الأسرة والحب: قصص قصيرة ج3.

اية للحفظ

 لقمة يابسة ومعها سلامة خير من بيت ملآن ذبائح مع خصام (أم17: 1)