Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

طِلبَتَك سُمِعَت

خرجت للافتقاد في يوم غير قريب، وأخرجت مفكرة صغيرة كانت في جيبي لآخذ بعض العناوين وأسماء الشوارع في منطقة افتقادي التي كانت في ذلك الحين كثيرة الشبه ببعضها في النطق والكتابة، فمثلاً شارع هيرموبوليس، ممفيس، تانيس، أومنيس … إلخ. فقرأت أحد العناوين من المفكرة واحتفظت به في ذهني: رقم البيت والشارع ورقم الشقة وذهبت إلى الشارع ووجدت الرقم الذي أريده، وصعدت سلم المنزل حتى الدور الثالث حيث رقم الشقة التي أقصدها.

ولكن هذا البيت ما دخلته قبل ذلك، وربما أخطأت العنوان، فأخرجت مفكرتي أعيد النظر في العنوان … فوجدتني فعلاً قد أخطأت الشارع ولكنني كنت قد طرقت الباب، فخجلت أن أنزل قبل أن يُفتَح الباب، وفعلاً إنفتح الباب بعد لحظة ووجدتني أمام رجل ناهز الأربعين من عمره، مُشعث الشعر، وبادرني على الفور: نعم.

كنت في هذه الأثناء قد لمحت صورة معلقة على الحائط حالما فُتِح الباب، صورة دينية لنتيجة مسيحية، فقلت في نفسي: حسنًا وإن كنت قد أخطأت العنوان ولكن لا بأس من الزيارة فهذا بيت مسيحي.

v   قلت للرجل: أنتم مسيحيون؟

v   قال: نعم. ولكن كيف حصلت على عنواننا؟ من أعطاه لك؟

v   قلت: كا دمتم مسيحيين فأنا أزوركم.

v   قال وقد بدا عليه اضطراب لا أعرف سببه: تفضل.

أحسست في نفسي أن في الأمر شيئًا – شيئًا غريبًا لست أعرفه. إنني لأول مرة أواجه مثل هذه الظروف.

وما أن دخلت إلى داخل، وأغلق الرجل الباب خلفي حتى كرر سؤاله بحيرة ولهفة بالغة:

v   أرجوك أخبرني من أعطاك عنواني.

v   قلت وقد ملكني الاستغراب: ممكن أجلس؟

v   تفضل.

وظل الرجل واقفًُا أمامي، فقلت له بهدوء شديد: أرجوك أن تستريح أولاً وأنا أقول لك.

جلس الرجل إلى جواري، وعلامات الاستغراب ماتزال  مرتسمة على وجهه، ثم مرَّت لحظة صمت بادرته بعدها قائلاً:

v   لماذا أنت مضطرب هكذا؟ ألم ترَ كاهنًا من قبل؟ سوف لا أقول لك كيف أتيت إليك ما لم تقل لي أولاً لماذا أنت هكذا؟

قال الرجل وقد ملكه انفعال عجيب: أمري عجيب للغاية … أكاد لا أصدق ما أنظره بعيني وأعيشه هذه الأيام. أنا على ما ترى أعيش بمفردي في هذه الشقة، وأنا مغترب هنا بالإسكندرية من أكثر من عشرين سنة وكنت قبل أن أحضر إلى الإسكندرية في بلدة صغيرة من أسرة مسيحية. كنت أيامها شابًا متدينًا ولي علاقة حية بالمسيح مواظبًا على الأسرار، أكملت دراستي ثم عُيِنت موظفًا بالإسكندرية. بدأت حياتي الروحية ينتابها شئ من الفتور والتقصير في الصلاة، ثم بعض أصدقاء السوء، ثم اللامبالاة ثم حياة الخطية في كل صورها وأساليبها … ثم أحسست بالضياع. وفي البداية كان ضميري يصحو في بعض الأوقات وأفتقد حياتي مع الله وكنيستي، ولكن لم أُعطِ هذه الأفكار وقتًا ولا مكانًا، فكانت تموت في مهدها.

ولي الآن أكثر من عشرين سنة، نسيت فيها كل شئ. تصور أنني لم أتناول طوال هذه المدة. والغريب أنني منذ أسبوعين وبلا مقدمات تحركت أحشائي كالبركان … إحساسات توبة ورجوع إلى الله، ودموع صادقة تنفجر من عيني … لقد رجعت إلى وقفات الصلاة وبحثت عن إنجيلي حتى وجدته في كومة كتب قديمة مكدسة عندي … إنني أقرأه بشغف عجيب … كلماته مثل سهام مبرية تخترق جدران قلبي، لقد سقط العالم كله من نظري، ولست راغبًا في شئ منه.

قاطعت الرجل وأنا في حيرة من أمره: ولكن في هذه الآونة الأخيرة ألم تحضر إجتماعًا من اجتماعات الكنيسة؟ ألم تسمع عظة؟ ألم تقابل خادمًا؟

قال: على الإطلاق، وهذا ما يجعلني في غاية الغرابة، لقد تغير برنامج يومي تمامًا. فأنا أعود من عملي كل يوم وأغلق باب شقتي وأظل في صلواتي ودموعي وإنجيلي .. كل الوقت حتى ساعة متأخرة من المساء … ثم أنام لأستيقظ في الصباح.

قلت له: والأصدقاء؟

قال: إنهم في غاية الاستغراب والحيرة من أمري … إنهم يحاولون معي كل يوم لكي أعود إلى سيرتي الأولى وبعضهم يظن أنني مريض أو قد أصبت باكتئاب نفسي، وبعضهم منذهل من تغيير طباعي وكلامي وسيرتي. ولكن على العموم لقد زهدت الأصدقاء والناس جميعًا، أجد الآن لذتي في أعمال التوبة في داخل مخدعي.

ولكن الأمر الأكثر غرابة أنني كنت أخاف أن تكون هذه المشاعر وقتية عابرة، أو أنها ليست من الله، وأمس فقط وأنا أصلي وأبكي أمام الله توسلت إليه بدموع قائلاً: أعطني يارب علامة بها أعرف أنك قبلتني. ورغم كثرة خطاياي وآثامي  تجاسرت أن

أطلب هكذا وقلت في الصلاة: هذه هي العلامة أن ترسل لي كاهنًا لكي أعترف أمامه، وأشعر أن توبتي ووسيلتي قد وجدت دالة أمامك.

أخذتني رعدة وأنا أسمع هذه الكلمات، ومجدت المسيح إلهي الذي يعمل بروحه القدوس في توبة أولاده. وعندما يغيب الخدام يعمل هو في القلوب ويرد إليه الخروف الضال ويجد درهمه المفقود.

قلت للرجل الذي ملأت الدموع عينيه: إذن أعطاك الرب سؤل قلبك.

قال: نعم يا أبي. ولكن أرجوك عرفني كيف حضرت إلى هنا؟

أخرجت مفكرتي الصغيرة … واشرت غلى العنوان المكتوب فيها، رقم البيت، ورقم الشقة مطابقين لعنوانه مع اختلاف الشارع.

قلت له إن الله يعمل معنا عظائم حقًا، لقد أخطأت في قراءة العنوان فأتيت إليك من قِبَل الرب.

صلينا معًا بحرارة وشكرنا المسيح الحنون الراعي الصالح، وقدمنا سجودنا القلبي لقابل الخطاة ومحب البشر ثم قدم هذا الأخ اعترافًا يسجل في السماء، كخاتم لتوبة صادقة مقبولة أمام الله.

وقرأت له التحليل وانصرفت ممجدًا الله. وصارت لنا بعد ذلك لقاءات متكررة، وصار يحضر إلى الكنيسة بشوق وعطش وجوع إلى البر، وكانت النعمة تشبعه حسب وعد الرب: “طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون”.

لقد عوضته النعمة عن السنين التي أكلها الجراد

اية للحفظ

"أليس هو أباك ومقتنيك هو عملك وأنشاك" (تث32: 6) .