Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

طيف ملائكي

في أوائل أغسطس سنة 1989 بدأنا بنعمة المسيح في تأسيس الكنيسة التي على إسمي الشهيد العظيم أبي سيفين والقديس أنبا إبرآم في تورانس، كاليفورنيا.

في البداية عملنا فصلاً للكبار لتحفيظ الألحان … التعليم للكبار صعب ولكنهم كانوا يجاهدون بعد أن يعودوا من أشغالهم مرهقين … كانوا يأتون إلى المنزل الذي أسكن فيه والذي كنا نعمل فيه كل اجتماعاتنا وكل المقابلات إذ لم يكن يسمح لنا أن نبقى في الكنيسة التي نستأجرها بعد صلاة القداس.

كان الإخوة الراغبون تعلم الألحان يأتون مرة أو مرتين كل إسبوع وكان من ضمنهم شخص متميز، في مواظبته وجديته، إنسان هادئ الطبع ملائكي، وديع جدًا يكاد يكون كلامه همسًا أكثر منه صوت مسموع، وكانت ملامحه مريحة لكل من يراه.

كثيرًا ما جلس إليَّ في هدوء … يسأل بشغف ولاسيما بعد أن يسمع تفسير إنجيل العشية أو القداس، يود أن يستزيد وأن يستغني، وأن يشبع رغبته في المعرفة الروحية … شئ ملفت، كان كمثل العطشان … وفي وداعته كان يقبل بفرح كلمة الإنجيل للحياة والممارسة.

في أواخر أكتوبر سنة 1989 زار البابا شنودة لوس أنجلوس للمرة الثانية، وصلى يوم الأحد 30 أكتوبر في كنيسة مار مرقس الرسول، ونحن إذ لم يكن لنا كنيسة ذهبنا وشعبنا إلى كنيسة مار مرقس. كان يومًا بهيجًا … صلى فيه البابا ووعظ ورقى بعض الآباء إلى رتبة القمصية، وسام شمامسة وعمد أطفالاً في جو ملئ بالبهجة والسرور … في ذلك اليوم وجدت هذا الأخ أمامي يقف كالملاك … قدمته للبابا ضمن صفوف المتقدمين، وسألني البابا عن إسمه، وسامه أغنسطسًا … ساعتها رأيت وجهه وقد جرت عليه دموع اتضاع وشعور بعدم الاستحقاق مع حمرة خجل وهيبة الموقف … كانت أول مرة يرى فيها البابا.

ظل يواظب على اجتماع لدرس الكتاب كنا نعمله في البيت لمن هم في سن الشباب، وكانوا قليلين ومبتدئين، ولكن كان يلذ له أن يوجد بينهم بينما هو رجل في الثلاثينات من عمره وهو مهندس متزوج وله ابنة عمرها 6 سنوات … ثم إذ ينصرف الجميع يستأذن يبقى هو فكنا نفرح بوجوده بيننا.

في 18 يناير عام 1990 في الساعة السابعة مساءً ذهبنا إلى الكنيسة لنصلي عيد الظهور الإلهي – اللقان وباكر والقداس الإلهي.

كان كل شئ بدائيًا، أفراد قليلون حضروا معنا في البداية. صلينا اللقان … كنا أفرادًا معدوين، قلت في نفسي أنه يوم من أيام الأسبوع ليس سبت ولا أحد، والناس في أشغالهم واليوم التالي أيضًا يذهبون إلى أشغالهم، ولم يتعودوا بعد … صلينا باكر ولم يزد العدد كثيرًا حتى بدء القداس … لم يكن شمامسة سوى أربعة أشخاص، المردات الخارجية والألحان ليس فيها مشكلة إذ يقودها أحد الشمامسة المحبين للألحان، ولكن من يتولى مردات الهيكل ونحن نصلي قداس عيد؟ ولكن في مثل هذه الظروف المهم هو الصلاة والتمتع بالنعمة المذخرة في عماد مخلصنا … وهي بداية وكمثل بذرة صغيرة ستنمو بنعمة المسيح.

أشرت إلى أحد الشمامسة أن يدخل ليخدم ثم أشرت إلى هذا الأخ وهو لابس التونية، وقلت له: “إخدم داخل الهيكل …” إعتذر بهدوء قائلاً: “أنا لا أعرف”. قلت له: “إحنا هانصلي مع بعض مش مهم المعرفة …” قال: “أنا عمري ما دخلت الهيكل …” قلت: “معلهش …” حاول أن يعتذر … قلت له: “أنت ترى أننا قليلون، وليس أمامنا خيار، المهم أننا نصلي ونرفع الذبيحة ونرفع قلوبنا إلى الله ليس المهم إتقان الألحان بقدر الصلاة بالروح، والقلب المتواضع لا يرذله الله”.

قدمنا الحمل وصلينا صلاة الشكر ورفعنا البخور، وبدأوا يقرأون الرسائل … وفي أثناء القراءة جاء إليَّ على حدة وقال: “كيف لي أن أخدم المذبح المقدس وأنا لا أعرف شيئًا، هذا شئ أكبر مني وأنا لا أستحق …” قلت له: “صدقني ليس فينا من يستحق أن يقترب، ولكنها نعمة المسيح ونحن لا نتقدم للاستحقاق بل للاحتياج …” قال: “دعني إذن أعترف بخطاياي وعدم استحقاقي …” ثم تكلم في أذني بكلمات اتضاع وانسحاق نادرة. شعرت بخجل وصغرت نفسي في داخلي، إذ شعرت أن كثيرين من البسطاء يغتصبون الملكوت بلا تعب كقول القديس الأنبا أنطونيوس.

كانت الساعة قد جاوزت العاشرة، وبعد قراءة الإنجيل وعظت وعظة قصيرة في عشر دقائق وبدأنا القداس. وجدت نفسي أصلي القداس بسرعة على غير عادتي وأشرت إلى الشماس بالخارج ألا يقول ألحانًا طويلة في القداس … لست أدري لماذا؟ … لماذا انتابني هذا هذا الشعور؟ صرفنا ملاك الذبيحة وصرفنا الشعب … وشكرنا السيد المسيح على نعمته التي لا يعبر عنها … ومضى كل واحد إلى بيته.

كان هذا الأخ هو الوحيد من أسرته الذي حضر … زوجته كانت قد جاءت من العمل متعبة … وطفلته الصغيرة قد نامت ووالدته التي كانت تسكن معه خشيت على نفسها من برد الليل … فحضر إلى العيد منفردًا.

ركب سيارته ورجع إلى بيته … كان الوقت نصف الليل … أيقظهم وأعطاهم لقمة البركة … سألته زوجته أن تجهز له طعامًا … قال: “لا مانع …” واستلقى على سريره ريثما تجهز.

ذهبت إلى دقائق وعادت إليه وإذ هو قد انطلق إلى السماء … لم يذق بعد طعامًا من الأرض، إذ كان قد تزود بخبز السماء حتى الشبع … شئ مذهل … إنطلق كطيف ملائكي، وما بين خدمته الأولى للمذبح وبين خدمته الأبدية لم يكن وقت ولا زمن.

يا سيدي الرب ما هذا التدبير الفائق، وهل هكذا يكون المختارون؟

بعد أيام جاءتني زوجته – وهي شابة تقية – تقول: “قبل انتقاله بثلاثة أيام دخلت إلى حجرته وكان يكتب خطابًا، فلما رآني ارتبك … سألته: ماذا؟ … قال: لا شئ … حاولت أن أعرف منه فلم يعرفني … واليوم  وجدت الخطاب الذي كان يكتبه في جيب بدلته … وأعطتني الورقة التي كان يكتبها ولم يكملها … إنهـا خطاب للعذراء القديسة مريم. وها أنا أسجل بالحرف الواحد صورة هذا الخطاب:

 باسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد أمين.

 لوس أنجلوس في 15 يناير 1990

 أم البشرية – الأم الحنون – سيدة الطهر النقاوة – شورية هارون العليقة التي رآها موسى – فلك نوح – الحمامة الحسنة – أم النور حواء العهد الجديد – حاملة جمر اللاهوت – خلاص الكنائس – تابوت العهد …

 إليكِ يا سيدتي أكتب لكِ هذه الرسالة مستنجدًا ومستشفعًا أمام سيدي ومخلصي وحبيبي إبنِك رب الأرباب، وملك الملوك يسوع المسيح، لقد طال انتظاري منذ سنة 1968 وأنا مريض منذ أكثر من عشرين عامًا وأنا منتظر لمسة منكِ …

 قد طالت فترة الألم وأنا على رجاء محبِتِك لي لكي تمنحيني قوة وعافية وشفاء … كثرت أمراضي، وكثرت أوجاعي فإلى أين أذهب وأنتِ عندِك شفائي.

 لقد منحتي الكثير، الألوف بل الملايين نعمة الشفاء أمراض مستعصية كثيرة، فكما فعلتِ مع هؤلاء إسألي إبنِك أن يصنع معي رحمة، واشكريه أيضًا من أجل كل خيراته ونعمه.

 أريد أن أشكره ليس من أجل النعمة الظاهرة فقط بل نعمه التي تظهر بداخلنا ولم يراها أحد، بل إني أشعر بها فقط بشفاعتِك يا أم النور، إشفعي، وخلصي نفسي يا الله …”، ولم يكمل بعد ذلك.

 تعجبت وأنا أقرأ هذه الورقة التي كتبها قبل انطلاقه بثلاثة أيام وأوصى فيها العذراء القديسة أن تشكر المسيح من أجل النعمة الخفية التي يحيا فيها ويشعر بها ولا يراها أحد … إنها سر المسيح وعمل نعمته.

 طويت الورقة وجعلتها في جيبي … في أجندة صغيرة إلى هذا اليوم.

 رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين: ج 4.

اية للحفظ

 "والبار بإيمانه يحيا" (حب2: 4)