Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

طبيب شاب صار شهيدًا

انتشر داء الاسقربوط scurvy بكثرة مع اقتراب فصل الربيع عام ١٩٢٩ في معسكر Solovki، ولذلك كُلِّفت كطبيب سجين بالإشراف على أحد ثكنات المرضى البالغ عددهم ٣٠٠ شخص. لقد سعدت حقًا إذ وجدت شابًأ يهوديًا وهو طالب طب في السنة الرابعة Alexander Yakovlevich كمعاون لي. كان يمر على كل الثكنات معي ويريني البيان الدقيق والمفصل الذي أعده لكل حالة.

لقد وجدته يعمل ٢٤ ساعة متواصلة دون توقف، فأطلقت سراحه ليستريح قليلاً وبدأت أفحص المرضى وحدي. ونظرًا لكثرة العدد كنت آخذ مذكرات وجيزة جدًا، ومع ذلك استغرق ذلك من ٨ صباحًا إلى ٣ بعد منتصف الليل.

ذهبت إلى الثكنات ٨ صباحًا في اليوم التالي وإذ بي أجد Alexander قد سبقني إذ بدأ العمل ١٢ ظهرًا إلى ٨ صباحًا، أي ٢٠ ساعة دون توقف. لقد وجدت وجهه متورمًا أثر لطمات شديدة وعلمت أن رئيس إدارة الخدمات الصحية جاء ليتفقد المرضى وإن بعضهم قال له أن الدكتور لم يأتِهم إلا متأخرًا جدًا وأن مساعده لم يأتِ إلا ١٢ ظهرًا، فأخذ يضرب Alexander على وجهه دون أن يتحقق هذه الشكاوى وأمرني أن أتي إليه ١٢ظهرًا للتفاهم. أما Alexander فقد أبدى وداعة وتعاونًا تلقائيًا بتغطية الحالات الصعبة وهو يردد قول ذهبي الفم: “المجد لله من أجل كل شئ”.

قلت مندهشًا: “إذًا أنت مسيحي!”

أجاب بفرح: “نعم، أنا يهودي متحول إلى مسيحي أرثوذكسي”، ثم أضاف: “كن هادئ البال، إرفع قلبك بالصلاة أثناء الاستجواب”.

خرجت من عنده رافعًا قلبي في صلاة سرية ثم دخلت إلى الرئيس وأجبت على أسئلته بكل هدوء شارحًا له أن مساعدي كان يعمل ٢٤ ساعة دون توقف وها هو كذلك حتى اللحظة الراهنة. لقد اقتنع بكلامي وتوعد أن يلقي المشتكين في حبس انفرادي، فقلت له أن ما قالوه صحيح إذ أنهم لا يعرفون نظام العمل. قلت هذا متذكرًا قول إلهنا الصالح على الصليب: “لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون” (لو ٢٣ : ٢٤).

أما أنا فقد وددت أن اتعرف أكثر على Alexander فرتبت أن نذهب معًا لمعاينة موضع بعيد للعمل وكان ذلك يوم عيد ميلاد والدة الإله القديسة مريم. جلسنا على بقايا أشجار مقطوعة في الغابة وسألته أن يحكي لي قصة حياته فقال:

“فقدت والديَّ عندما كنت صغيرًا وبدأت أشق طريقي بنفسي. أحببت كتابات تولستوي Tolstoy. لقد جذبني إلى قصصه المبادئ المستوحاة منها مثل: “حيث تكون المحبة فهناك يكون الله”، ومبادئ أخرى كثيرة تأثرت بها للغاية. ثم تعرفت على طبيب مُسِن كان يعرف تولستوي شخصيًا وكان مسيحيًا أرثوذكسيًا، وبدأ يكشف لي عن الكنوز الفائقة التي في الكنيسة الأرثوذكسية. ثم تعمدت وصرت مسيحيًا أرثوذكسيًا. وبعد ذلك صار التبشير الذي يقوم به المسيحيون معروفًا لدى السلطات وبذلك أُلقِي القبض عليَّ.

كان قائد حرس السجن وحشي الطباع يأمرنا أن ننشد النشيد القومي الذي ينادي بالمبادئ الشيوعية. أخذ هذا القائد يلقيني إلى الأرض ويركلني بكعبه عندما لاحظ أنني لا أنشد كالباقين، أما أنا فشخصت إلى السماء وصليت: “أبانا الذي في السموات”. أُطلِق سراحي ثم نُفِيت إلى مدينة Vyatka.

“لم تكن المدينة معروفة لديَّ فسألت عن الكنيسة (لم تكن كل الكنائس قد أُغلِقَت) وسألت عن أيقونة القديس Tryphon وعرفت أن عيده في اليوم التالي. لقد فرحت جدًا وركعت أصلي طالبًا شفاعته. لقد دبر لي العمل والإقامة لدى سيدة عجوز حوالي نصف عام، وما أن حلَّ فصل الربيع حتى أُلقِي القبض عليَّ ثانية. وحُكِم عليَّ بعشر سنوات سجن في معسكرات التسخير والأعمال الشاقة”.

مشينا معًا في صمت إلى أعماق الغابة وفجأة عثرنا على كنيسة صغيرة نصف متهدمة، دخلناها دون عناء ورأينا بها أيقونة باهتة لوالدة الإله. جثا Alexander ورنم: “مستحقة أنتِ بالحقيقة التطويب والتكريم”، أما أنا فكنت أرنم بكل كياني دون أي صوت.

إنقضى شهر على هذه المسيرة، ثم أُلقِي القبض على Alexander ونُفِي إلى مكان غير معروف. إن القبض على سجين غالبًا ما ينتهي بإعدامه رميًا بالرصاص. لقد أكَّد البروفيسور S. V. Grotoff ذلك لأنه كان يعرفه جيدًا.

لقد مضى ما يقرب من ٤٠ عامًا على تعارفنا، ومازال يمثل أمامي بوضوح وهو يصلي وكأني أسمع صوته يمجد بإيمان من هي مكرمة أكثر من الشاروبيم.

قصص مسيحية من واقع الحياة: ٢٣: طبيب شاب صار مسيحيًا.

اية للحفظ

"ويل لمن هو وحده إن وقع إذ ليس ثانٍ ليقيمه" ( جا ١٠ : ٤ )