Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

صديقة الملاك

عاشت الست أم مراد بيننا سنين كثيرة وعرفناها عن قرب، فكانت بالحقيقة أيقونة جميلة لحلاوة العشرة مع الله، فقد جمعت بين البساطة التي للأطفال الصغار والإيمان العميق الواثق في الله.

وقد حباها الله بدالة عجيبة لدى القديسين ولاسيما رئيس جند الرب الملاك ميخائيل، فقد تعلقت به منذ صباها وظلت علاقتها الإيمانية به تزداد وتنمو خبرتها مع الأيام وتوالي الأحداث في حياتها. وقد كانت تثق ثقة فائقة في أنه إذا ما طلبت إليه أو تشفعت به، أن طلبتها لابد أن تجاب وأنها ستنال ما سألته مهما كان يبدو بعيد المنال.

كنا يومها نصلي القداس الإلهي في كنيسة مارجرجس باسبورتنج – أبونا بيشوي وأنا – حوالي سنة 1969. وبعد نهاية القداس، جاءتني هذه السيدة، بسيطة في مظهرها، وهي كما عرَّفتني أرملة وأم لثلاثة شبان. كانت تقيم من قبل في بني سويف قبل أن يتوفى رجلها، ويومها جلست تحدثني عن رغبتها في بناء كنيسة على اسم رئيس الملائكة الجليل ميخائيل. وللحق أقول إن يومها ما أخذت الكلام مأخذ الجد، لأن السيدة التي كانت تحدثني إمرأة فقيرة ليست من الأغنياء، وبناء كنيسة يحتاج إلى كثير من المال بل والكثير جدًا، غير ما يقابل هذا الأمر من عقبات، لذلك كنت أستمع إليها مجرد الاستماع. ثم إذا بها تُخرِج لفة قماش مصرورة وتقدمها لي وتقول: “خذ هذه الخمسين جنيهًا وابنِ لي بها كنيسة على اسم الملاك”.

فقلت لها: “يا سيدتي إن خمسين جنيهًا لا تكفي لشراء رخام للمذبح (في ذلك الوقت) ونحن نبني الآن كنيسة على اسم القديس تكلا هيمانوت الحبشي بالابراهيمية، وهو صديق للملاك ميخائيل، فممكن توجيه هذا المبلغ لبناء مذبح بالكنيسة باسم الملاك ميخائيل وهذا يوفي الغرض، أما بناء كنيسة فهذا أمر مستحيل”.

كان كلامي يبدو غير مريح للسيدة الجالسة إلى جواري، وإذا بها تسترد صرة النقود من يدي وتقول: “هات … إنت معندكش إيمان؟” قلت لها: “إيمان بماذا؟” أجابت: “إيمان بأن ربنا ممكن يعمل بالقليل”. وبدأت تقص لي عجائب الملاك ميخائيل معها، حتى قالت: “أطلب من السماء حاجة، صدقني أحضرها لك … أوعى ماتصدقش … ده أنا الملاك عمل معايا حاجات كثيرة. خللي الفلوس عندك، ولما تبان الكنيسة إجعل الفلوس دي خميرة للبركة وهتتبني الكنيسة. أنا عمري ما طلبت حاجة ولم آخذها”.

 تعجبت من هذه السيدة، وذهبت لأبينا بيشوي وحكيت له حكاية هذه السيدة فقال لي: “حسب إيمانها يكون لها. إحفظ هذه الوديعة عندك وانتظر ونشوف ربنا يعمل إيه”، وقد كان.

والعجيب أنه لم يمضِ أسبوع حتى جاء إلى الكنيسة رجل وقور، جاوز الستين من عمره، كان يعمل مفتشًا للغة الإنجليزية، وهو وزوجته، ولم يكن لهما أولاد وكان يسكن في فيلا يملكها في منطقة مصطفى باشا، ولم يكن لنا سابق معرفة بالرجل، وطلب أن يجلس معنا، وقد تصادف وجود أبونا بيشوي وأنا بالكنيسة. وعندما جلسنا قال الرجل إن الفيلا التي يملكها يريد أن يتنازل عنها للكنيسة، لأنه ليس له أولاد من بعده وهو في غنى أن يكون له مقتنيات في الأرض.

قال له أبونا بيشوي: “واحنا نعمل إيه بالفيلا؟”

فقال الرجل: “إعملها كنيسة”.

فقال أبونا: “دعنا نصلي ونطلب إرشاد الله في هذا الأمر”.

وبعد أيام ذهبنا لزيارة الأستاذ ميخائيل مفتش اللغة الإنجليزية في الفيلا في مصطفى باشا، فيلا صغيرة في شارع ضيق والمنطقة مقطوعة، ليس فيها حركة ولا أنوار في الليل … يخاف الإنسان أن يسير فيها، والمنطقة ليست مزدحمة بالسكان وعدد المسيحيين محدود … فهل تصلح أن تكون كنيسة؟ كنا نصلي ونضع الأمر أمام الله وكان المتنيح البابا كيرلس موجودًا بالإسكندرية، فذهبنا إليه وعرضنا عليه الأمر، فقال البابا: “بكره الدنيا تتغير وتبقى كنيسة كويسة، روحوا خلوه يعمل التنازل”.

وفي اليوم التالي كان الأستاذ ميخائيل يوقع على التنازل بالبطريركية، وكتب أنه يتنازل عن ملكية الفيلا للبطريركية لإقامة كنيسة باسم رئيس الملائكة ميخائيل، وفي حال عدم بناء الكنيسة ترجع إليه الملكية. يومها قال لي أبونا بيشوي: “فين الخمسين جنيه بتاعة الست  صاحبة الملاك ميخائيل؟” فأحضرتها  ودفعتها للمقاول لبداية العمل في هدم الفيلا وإقامة مبنى بسيط لكنيسة الملاك ميخائيل في مصطفى باشا.

وفيما كان العمال يحفرون الأساسات، إذا بهم يجدون قطعة من حجر جيري برسم قربانة مملوء صلبانا، فعلمنا بما يدع مكانًا للشك أن العمل من البداية هو عمل إلهي، وأيقنت لساعتها أن رغبة الست أم مراد أن تبني كنيسة كانت تحركها يد خفية، وأن الله يتكلم في قلب مختاريه ويحركهم لعمل مسرته.

عرفت فيما بعد أن الست أم مراد تسافر في كل سنة إلى أماكن بعيدة في إيبارشيات مختلفة، قرى وعزب ونجوع لا يعرف عنها أحد، وهناك أعمال رحمة لكنائس وفقراء على قدر ما تسمح لها ظروفها المحدودة، بل وفوق الطاقة أيضًا. كانت تذهب إلى قرى في الفيوم وبني سويف وبعض مناطق تابعة لأسوان في بعض الأحيان.

ولما تقدمت بها الأيام ولم تكن تحتمل مشقة السفر، كانت ترسل إلى تلك الأماكن المتعددة. وكانت تفرح فرحًا فائقًا عندما تجد أماكن للعبادة في تلك المناطق وتشجعهم. وفي مرات كانت تطلب مني بعض الستور أو أواني المذبح فتذهب بها إلى تلك الأماكن. كانت عجيبة إذ وضع الله في قلبها هذه العناية وهذه الخدمة.

رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين: ج 2.

اية للحفظ

"ولا يكون شيء غير ممكن لديكم" (مت17: 20) .