Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

صداقة عجيبة

جاءني خادم الكنيسة (الفراش) وكنت ساعتها في حجرة المعمودية أتمم السر المقدس لأحد الأطفال، وقال لي إن سيدة بالباب هي ووالدتها تطلب أن تراك، قلت له حالما أنتهي من العماد أدخلهما إلى هنا.

دخلت السيدة ووالدتها … مرتعدتين في خوف وحذر وسلمتا عليَّ، أدركت للحال أنهما غريبتان عن الكنيسة وربما كانت هذه أول مرة تتقابلان مع كاهن، أو لعلهما لم يدخلا كنيسة من قبل. فرحبت بهما مهدئًا من روعهما … وأذنت لهما بالجلوس، وقلت: “كيف أستطيع أن أخدمكما؟” فلما هدأت الشابة، وهي على ما يبدو في قرابة الثلاثين من عمرها … بدأت تقص عليَّ قصة غريبة.

قالت: نحن كما ترى غير مسيحيين ولكننا من أسرة متدينة محافظة، ونعيش في سلام مع جيراننا ومنهم أسرة مسيحية تربطنا بها أواصر المحبة … وقد صحبتنا السيدة جارتنا المسيحية إلى هنا وأدخلتنا لأننا لا عهد لنا بدخول الكنيسة … بل إن هذه هي أول مرة نتحدث إلى قسيس“.

واستطردت السيدة الشابة: “منذ شبابي المبكر وأنا أحب سانت تريز، لقد سمعت عنها في المدرسة واطلعت على سيرتها فأحببت فيها الرقة في المشاعر، واحتمال المرض والشكر عليه، وأحسست أن حياتها الهادئة الوديعة هي أفضل حياة، ولست أدري كيف صارت كأنها صديقتي، أتكلم معها وأحبها. وازدادت علاقتي بها فأحببت كل ما أحبَّت في حياتها وتمنيت لو أحيا على مثالها.

ومنذ سنوات تقدم لخطبتي شاب متدين من أسرة معروفة لنا، ويشغل وظيفة محترمة ويواظب على فروض الصلاة في مواعيدها، ويصوم الشهر المعظم … ويؤدي كل الفروض المفروضة علينا في ديننا، وهو رجل ملتحٍ وعلى خُلُق طيب محترم من جميع الناس. وتمت خطبتي إليه، ثم ارتبطنا بالزواج … ومن الأمور التي لا أنساها أنه قبل زفافي بيوم واحد، رأيت في رؤيا الليل أن سانت تريز تقدم لي باقة من الورود … وكم فرحت بها وأحسست بإحساس غامر من الفرح … لم يكن شئ يفرحني في يوم زفافي أكثر مما فرحت بهذه الهدية وكأنها تبارك حياتي“.

قلت لها: “شئ جميل … إن القديسين وهم في السماء، يحسون بالذين يرتبطون بهم على الأرض“.

ثم استمرت السيدة في تكميل قصتها فطفقت تقول: “سارت حياتي هادئة طبيعية لا يعكر صفوها سوى حلم مزعج كان يتكرر على مدى سنة كاملة بين الحين والآخر“.

قلت لها: “وما هو”؟

قالت: “كنت أرى وكأن شخصًا غريبًا مزعجًا جدًا وشكله قبيح للغاية، شرس وكأنه بلا رحمة … كان يطاردني وكأنه يريد أن يعتدي عليَّ ويغتصبني … وكنت أفزع منه أيما فزع. وكنت يوم أن أحلم هذا الحلم المزعج، أقوم من نومي منهكة القوى مشتتة الذهن وكأني كنت مريضة فلا أكاد أضبط قوة. وكان زوجي يسألني عن حالي، فكنت أقص له هذا الأمر، فكان مرة يهوِّن عليَّ ومرة أخرى يسخر مني، ومرة نذهب إلى أحد المشايخ وأصحاب المعرفة فكان كل منهم يقول كلامًا … أما واقع الأمر فبقى كما هو … فازداد اضطرابي بل كنت أكره النوم خشية ما أعانيه أثناء أحلامي هذه.

وبالأمس … نمت في حوالي العاشرة والنصف مساءً … وفي نصف الليل تكرر هذا الكابوس المزعج … طاردني الشبح المخيف  … ويا للهول … لقد لحق بي وطرحني أرضًا ووقع عليَّ … شعرت للحظتها أن ظلمة كثيفة غشيتني، بل وقعت الظلمة في داخلي. كدت أموت، لم أقدر على التنفس من شدة الخوف والألم والظلمة معًا، ولكن كنت بما بقيَّ فيَّ من قدرة هزيلة وصوت خافت كأنه من بئر سحيق … كنت أقول: “يا رب خلصني … يا رب نجني“.

وللحال … سمعت جلبة قوية … كأرجل حصان يركض … حتى اقترب مني وأنا ملقاة في حالتي هذه … فتحت عينيَّ في خوف فرأيت منظرًا من نور … إنسانًا راكبًا جوادًا وممسكًا بحربة في يده، وجهه جميل منير، ومنظره كله بهاء. حتى حصانه كأنه منير … ثم صار صوت من راكب الفرس، وإذا هو ينتهر الظلمة التي في داخلي … أن أُخرُج منها … فجاوبه بجفاء أن لا. وحدثت مجادلة صعبة وأنا أسمع بخوف ورعب وفزع شديد.

فلما دام عناد الشبح الذي ربض داخلي كظلمة … بادره راكب الفرس بطعنة من حربته بقوة فائقة، جاءت الطعنة في صدري ونفذت الحربة من ظهري … وفي الحال، في سرعة البرق، انقشعت الظلمة من نفسي تمامًا وحلَّ بي نور وسلام وهدوء عجيب.

أفقت في لحظتها … فلما فتحت عينيَّ وجدت زوجي جالسًا على السرير في حالة من الهلع والرعب. قلت له: “مالك جالس هكذا؟” أجاب: “هل أنتِ بخير؟” … قلت له: “الحمد لله أنا بخير“.

فجلست وقصصت عليه ما حدث لي تمامًا وأنا متأثرة غاية التأثر”. فقال: “هوني على نفسك، ودعكِ من هذه التخاريف”. وحاولت جاهدة أن أعرف ما الذي أيقظه أو ماذا رأى أو ماذا سمع، فلم يجبني بكلمة.

 وفي الصباح قمت فرحة سعيدة، وعندما كنت أبدل ملابسي، وجدت ملابسي الداخلية ملطخة بالدم”. وأخرجت ملابسها من كيس بيدها … وإذا دائرة من الأمام ومن الخلف أثر الحربة التي طعنها بها هذا الفارس العجيب.

سألتها وقد أصابتني دهشة غامرة: “هل تعرفي البطل مارجرجس؟” قالت: “لا”. قلت لها: “تعالي ورائي”. وذهبت بها إلى حيث أيقونة الشهيد العظيم مارجرجس، فلما رأت الأيقونة هتفت بصوت صراخ: “هو … هو“.

فجلست أتكلم معها عن سيرة أمير الشهداء … وهي تصغي وقد أشرق وجهها متهللاً وقلت لها: “رغم عدم معرفتك بمارجرجس، وكونك لم تدعيه أو تطلبيه للمعونة … ولكنك عندما طلبت إلى الله قائلة يارب خلصني … يارب نجني، فإن الله تبارك اسمه يستجيب في الحال، فأرسل إليكِ أحد رجاله القديسين، وهو قوي وسريع في المعونة وقاهر للشياطين. إن مارجرجس فارس شجاع، ولما كان على الأرض، كان حصانه مشهورًا بالإقدام والشجاعة، فلما صار شهيدًا للمسيح في السماء أصبح حصانه المنير الذي رأيتِه تعبيرًا عن قوة الله، أما الحربة التي يمسكها فهي ليست مادية، بل هي الصليب المقدس العلامة التي تخيف الشياطين وتكسر شوكتهم“.

ثم علمتها كيف ترشم الصليب المقدس وتتعلق به، وقد صارت هذه بداية عجيبة لقصة حياة أعجب، ابتدأتها القديسة تريزا بصداقة بسيطة وأكملها البطل الشجاع أمير الشهداء بحربته القوية. صلاته تشملنا وتحرسنا وتحرس أولادنا … أمين.

رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين: ج 2.

اية للحفظ

"أنت تأتي إليَّ بسيف وبرمح وبترس وأنا آتي إليك بإسم رب الجنود" ( ١ صم ١٧ : ٤٥ ).