Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

سلام سلام للقريب والبعيد

الأخ مظلوم كان زميلاً لنا في الدراسة في الجامعة. كان ذلك في أواخر الخمسينات، وكانت مجموعة الزملاء متآلفة بمحبة مسيحية، وكنا قد فكرنا في السنة الأولى لالتحاقنا بالجامعة في عقد اجتماع خاص بنا، واخترنا كنيسة السيدة العذراء بروض الفرج نجتمع فيها … نصلي وندرس الكتاب المقدس ، وتزداد علاقتنا تآلفًا ومحبة … وكانت هذه أول أسرة جامعية إذ لم تكن فكرة اجتماعات الأسر الجامعية قد نشأت بعد.

على هذا كنا كمجموعة تربطنا علاقة الزمالة بالجامعة والمحبة الأخوية في الكنيسة، فازدادت أواصر المحبة يومًا بعد يوم.

مرَّت السنوات سريعة تخرجنا جميعنا ومضى كل واحد إلى حال سبيله بحسب ما هيأ الله لكل واحد.

سافر البعض سنة 1968 إلى أمريكا مهاجرًا والبعض سافر إلى إنجلترا، وكان البعض في بعثات في الهند وروسيا … والغالبية كانوا في القاهرة والإسكندرية وبعض عواصم المحافظات حتى إلى أسوان.

بعد سنوات قليلة كان الأخ مظلوم وقتها يعمل في الطب الشرعي … وقد أصيب بمرض صدري … ظنوا أنه درن أو بعض الالتهابات أصابت رئتيه. وظل يعالج زمانًا إلى أن فحصه أستاذ بالقصر العيني وقرر أن يعمل له جراحة، وحدد له يوم وذهب أخونا إلى القصر العيني ودخل حجرة العمليات … يومها غاب الأستاذ لسبب أو لآخر فقام أحد الأطباء النواب بإجراء العملية حسب ما تراءى له … استأصل جزءًا كبيرًا من الرئة وهتك ما هتك، وقام مظلوم من العملية أسوأ مما كان بما لا يقاس.

عاوده الأستاذ، وإذ رأى حالته ظل يسب ويلعن ويلوم، ثم بعد أسابيع قرر إجراء عملية جراحية لإزالة آثار العملية الأولى وإصلاح الحالة.

دخل أخونا مرة أخرى، ويومها عمل الأستاذ جراحة عجيبة … أزال ضلعين من القفص الصدري تمامًا لكي يعطي مكانًا أوسع للرئة. وقام هذا الأخ من العملية في حال أسوأ، صار منظره يثير الشفقة حقًا، كأنه معوق. وقد تركت هذه الظروف أثرًا عميقًا في أخواته الأربعة، إذ كان هو الأخ الوحيد، وكذا في نفوس أحبائه وزملائه. كان الجميع يتألمون ولكن لا وسيلة لهم سوى الصلاة والتضرع إلى الله والتشفع بالقديسين.

وكانت كلما وصلت الأخبار للأخوة الذين في الخارج، إذ كانوا يتتبعون أخباره بكل اهتمام، يتألمون أيما تألم … ثم اتصل بعضهم ببعض، قرروا أن يسافر إلى لندن لعله يجد فرصة للعلاج أفضل بكثير مما يعانيه في مصر.

لم تكن في قدرة الأخ مظلوم أن يسافر إلى أي مكان، كان قد أنفق كل ماله على الأطباء، ولكن الإخوة في الخارج كانوا يعتبرونه أخًا حبيبًا، فتكفلوا بنفقات السفر وإذا لزم الأمر العلاج أيضًا … وقد كان.

سافر الأخ مظلوم إلى لندن … كان في وداعه أخواته الأربعة وأزواجهن وباقي الأقارب والأصدقاء من مطار القاهرة. كان يومًا مؤثرًا … كانت إحدى أخواته تسكن بالإبراهيمية في الإسكندرية، وكانت دائمة الصلة بنا … وكانت كثيرة الصلاة كثيرة الدموع.

كنت أتابع السؤال عنها، أستفسر عن حالة أخيها. مضى أسبوع منذ أن سافر إلى لندن … سألتها فقالت: “لا توجد أخبار، لا خطاب ولا تليفون”. ثم مضى أسبوع آخر وليس من جديد.

سألتها: “هل تعرفين عنوان المستشفى الذي نزل فيها؟” قالت: “لا”. فقلت: “هل تعرفين عنوان الأخ فلان الذي استقبله في لندن؟” أجابت بالنفي أيضًا.

مضى شهر كامل منذ أن سافر، ولكن إذ لم لم نسمع شيئًا إزداد القلق، وصارت تأتي إليَّ وتقابلني وعيناها لا تكف عن البكاء.

رفعنا القداسات بإسمه وتوسلنا إلى الرب كثيرًا والأيام تمر دون أدنى خبر. وبعد أسبوعين، كنا نصلي قداسًا خاصًا لأجله … وبعد القداس أمسكت بيدي وهي تصرخ: “إعمل حاجة … مش قادرة أحتمل أكثر من هذا … أخواتي في القاهرة في حالة انهيار”. لم أتمالك نفسي من التأثر وقلت لها: “عند الناس غير مستطاع ولكن ليس عند الله، لأن كل شئ مستطاع لدى الله”.

ذهبت لتوها إلى بيتها ودخلت إلى حجرة الجلوس، كانت بها أيقونة للسيدة العذراء حاملة الطفل يسوع. صارت تعاتبها عتابًا شديدًا يقرب إلى العراك، بكل قلبها كانت  تكلمها  ودموعها  تنهمر بلا  توقف. ثم التفتت إلى العذراء القديسة وصرخت:

“طمأنيني … أنا لن أتركِك حتى أطمئن”. وسجدت في صلاة طويلة ثم قامت وجلست على الأرض وأمسكت بكتابها المقدس وقالت: “أسمعني يا رب صوتك … عرفني إرادتك”. فتحته حسبما اتفق … ويا للعجب وجدت الموضع المكتوب فيه: “رأيت طرقه وسأشفيه وأقوده وأرد تعزيات له ولنائحيه … سلام سلام للبعيد وللقريب قال الرب وساشفيه” (أش57: 18-19).

لم تصدق عينيها … هل ما تقرأه حقيقة؟ وطار قلبها من الفرح، امتلأت إيمانًا وسلامًا، سجدت ثانية على الأرض تشكر الله … وأي شكر تستطيع أن تعوض به الله عن هذه التعزية. بكل ثقة قامت … طلبت أخواتها بالتليفون تطير لهم الخبر. سألوها: “هل استلمت خطابًا أو ما يطمئن؟” قالت: “لا بل استلمت أعظم من خطاب … أعظم بما لا يقاس”.

وبالفعل عظم الرب الصنيع معنا، ففي اليوم التالي استلمت خطابًا مطمئنًا، وتوالت الأخبار الطيبة بعد يوم، وما هي إلا شهور قليلة، عاد بعدها مظلوم من لندن ممتلئًا صحة. وكان يشعر أن يد الرب تعمل معه كل يوم، لقد كانت تسنده صلوات الكثيرين وإيمان الكثيرين ممن حوله.

حقًا ما أعظم جود الرب وما أصدق مواعيده.

رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين: ج 2.

اية للحفظ

"وتطلبونني فتجدونني إذ تطلبونني بكل قلبكم" (أر29: 13) .