Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

رسالة من خياطة

عاش هذا الراهب في جهاد روحي، بأصوام وصلوات كثيرة، وكان يتميز بالتجرد والتقشف فكان يلبس مسوحًا على جسده، لتحتك هذه الملابس الخشنة بجسده، فيتضع منسحقًا أمام الله في توبة. وازدادت محبته لله كل يوم.

إشتهر بين الرهبان بقداسته، حتى أتى اليوم واختارته العناية الإلهية للأسقفية فاهتم برعاية شعبه، وساندته صلواته الكثيرة ولم تشغله أعماله وخدمته في العالم عن تقشفه، فظل يحيا في الخفاء في تجرد كما كان في الدير.

بمرور السنين تمزقت المسوح التي كان يلبسها الأسقف لدرجة أنه لم يستطع ارتدائها، فحزن لفقدانه هذه الملابس الخشنة وفكر في أن يصنع غيرها، فطلب من تلميذه أن يشتري له جوالاً (شوالاً) من الخيش. لم يفهم التلميذ القصد منه ولم يشرح له الأسقف.

وبعد أن انصرف التلميذ أمسك الأسقف بالخيش وصلى إلى الله وتشفع بشفيعته أمنا العذراء وقال: “أنا ما اعرفش أخيط … ها اعمل الشوال ده قميص إزاي؟”

وبينما الأسقف في حيرة استضاءت الحجرة بنور قوي، وظهرت له السيدة العذراء ووضعت يدها على هذا الجوال فتحول إلى قميص، أي صارت له فتحة من فوق وفتحتين جانبتين وانصرفت.

فرح الأسقف جدًا وأسرع بلبس هذه الملابس الخشنة وهو يشكر العذراء لأنها لم تفضحه، إذ أنه لا يستطيع أن يرسل هذا الجوال إلى خياطة لتصنعه له قميصًا. وهكذا أخفت فضيلته، وسار هو في نسكه وجهاده الروحي.

مرت الأيام وكان بالمدينة التي فيها الأسقف مجرمًا معروفًا، ولكن الله عمل في قلبه فتاب وترك كل الشر الذي كان يعمله، واراد أن يعود إلى الكنيسة ويتناول من الأسرار المقدسة، ولكن المشكلة التي كانت أمامه هي: مَن مِن الكهنة سيتحمل أن يسمع خطاياه الكثيرة البشعة؟ ففكر أن يذهب إلى الأسقف نفسه لعله يجد في أبوته قبول له ليرجع إلى الكنيسة.

وبالفعل ذهب إلى الأسقف وطلب أن يعترف عنده فوافق الأسقف، وجلس المجرم التائب أمامه واعترف بكل الجرائم الفظيعة التي عملها، ولكن حدث ما لم يكن يتوقعه هذا المجرم، إذ رأى علامات الضيق على وجه الأسقف الذي قال له: “ده كتير أوي يا ابني، ما اقدرش أخليك تتناول. إستنى شوية واحضر الكنيسة كتير علشان تعيش حياة التوبة شوية وبعد كده أسمح لك تتناول”.

خرج هذا المجرم التائب حزينًا من أمام الأسقف، وعاد إلى بيته ثم وقف يصلي بدموع لله ويتشفع بأمنا العذراء حتى يقبل الله توبته، لأنه شعر من كلمات الأسقف أن الله لا يقبله.

ظل يصلي مدة طويلة، فظهرت له العذراء أمنا بشكلها النوراني وطمأنته أن الله يحبه وقَبِل توبته، وطلبت منه أن يذهب للأسقف في اليوم التالي ويطلب الحِل والغفران.

قال لها: “يا أمي لقد رفض، فكيف أذهب إليه ثانية؟”

وهنا قالت له العذراء: “لا تخف واذهب إليه وقل له هذه الرسالة: الخياطة بتاعتك بتقولك ما تتقلشِ على الراجعين للتوبة”.

في اليوم التالي تشجع هذا التائب وذهب إلى الأسقف، الذي لما علم من تلميذه أن هذا الرجل بالباب، رفض مقابلته.

فقال التائب للتلميذ: “أنا معايا رسالة من واحدة تعرف الأسقف كويس عايز أوصل الرسالة دي بس”.

وهنا سمح له الأسقف أن يدخل، فحكى له هذا المجرم التائب ما حدث بالأمس أثناء صلاته وكيف ظهرت له أمنا العذراء وطلبت منه أن يأتي للأسقف ويبلغه هذه الرسالة.

فقال الأسقف باشتياق: “ما هي هذه الرسالة؟”

فقال التائب: “الخياطة بتاعتك بتقولك ما تتقلشِ على الراجعين للتوبة”.

تأثر الأسقف جدًا لأنه فهم أن هذه رسالة واضحة من العذراء، فقام وسجد أمام الله نادمًا، ثم قام وتأسف لهذا التائب وصلى له الحِل بالغفران، وقال له: “أنت من اليوم نقي واذهب للتناول”.

فرح التائب جدًا وذهب وتناول من الأسرار المقدسة وواظب على الكنيسة وعلى زيارة الأسقف لنوال بركته، فأحبـه الأسقف وجعله تلميذًا له، وعاش معه حتى  تنيحهذا التائب ثم بعده تنيح الأسقف.

إن كان الله يحبك ويسامحك عن كل خطاياك عندما تأتي إليه تائبًا معترفًا، فكن أنت مثل الله حنونًا على غيرك، إلتمس لهم الأعذار وشجعهم ليحيوا مع الله.

لا تدين أحدًا لأننا كلنا خطاة ونستحق العقاب الإلهي لولا أن مراحم الله هي التي تقبلنا وتسامحنا.

إهتم من اليوم بتوبتك وإدانة نفسك، أما الآخرين فسامحهم وشجعهم، وحينئذ تفيض عليك مراحم الله وبركاته.

تدبيرك فاق العقول: الجزء الرابع.

اية للحفظ

"فإن الجبال تزول والآكام تتزعزع أما إحساني فلا يزول عنك وعهد سلامي لا يتزعزع قال راحمك الرب" (أش ١٠ : ٥٤ )