Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

خياط أب الرهبان

عندما خرج القديس الأنبا أنطونيوس ليحيا الوحدة مع الله، شعر أنه غير أهل لهذه الحياة ولكنه مشتاق إليها، فاهتم أن يتتلمذ على كل من سبقوه، ولم يكن قد سبقه أحد في الدخول إلى البرية، ولكن كان كل من يريد أن يتوحد، يقيم في عشة صغيرة خارج مدينته. فجال القديس على هؤلاء الشيوخ الذين سبقوه، ليتعلم من كل أحد فضيلة، تنفعه وتعلمه كيف يسير في طريق محبة الله.

ثم أرشده الله للدخول إلى البرية، فانزعج الشيطان منه وحاربه حروبًا كثيرة، سانده الله فيها وانتصر. وانفرد عشرين عامًا في حصن مهجور، لم يرى فيها وجه إنسان، رأى فيها الله وتتلمذ على يديه كثيرًا.

ولكنه كلما تعمق في معرفة الله، ازداد اتضاعًا وتحركت أحشاؤه نحو التلمذة والتي كانت تعمق اتضاعه. ولما رأى الله أشواقه للتلمذة كلمه وقال له: إنه في مدينة الإسكندرية، يحيا إنسان بسيط يعمل خياطًا، وقد فاقه في طريق الحياة الروحية.

طلب أنطونيوس العظيم معونة الله ونزل إلى الإسكندرية، ليتعلم من هذا الخياط القديس، وأرشده الله إليه، فالتقى به وجلس ليتعلم منه تدبيره الروحي.

إعتذر الخياط في البداية عن سرد أي شئ في حياته، لأنه إنسان بسيط، غير متعلم، يعمل في هذه الحرفة ليجد قوته وقال أنه أقل من كل من حوله، فماذا يقول لأنطونيوس العظيم؟! بعد إلحاح الأنبا أنطونيوس عليه، قال الخياط: أنه مع بداية كل صباح يقف للصلاة ويشكر الله على إحساناته ويسبحه ويباركه، فيمتلئ قلبه فرحًا ويشعر بسعادة لا يعبر عنها. بعد صلاته يجلس في خلوة وحده مع الله ويتأمل شناعة خطاياه ويبكي عليها طالبًا غفران الله، ويقدم توبة واستعدادًا للحياة الجديدة مع الله، الذي أنعم عليه برؤية نور النهار الجديد.

ثم يجلس يتأمل في فضائل الآخرين، الذين يعرفهم في مدينة الإسكندرية، فيتحرك قلبه شوقًالاقتناء هذه الفضائل، وفي نفس الوقت يشعر بمدى حقارته لسقوطه في خطايا مختلفة، بل ويشعر أنه أقل إنسان في المدينة ومحتاج لبركة الكل، فهم جميعًا أفاضل، عرفوا طريق الملكوت ويسيرون نحوه، أما هو فمستحق للعذاب بسبب شروره، فيطلب رحمة الله بشفاعة القديسين ويتحمس لبدء جهاد جديد واستغلال اليوم الجديد، حتى يقترب إلى الله.

بعد جلوس هذا الخياط مع الله، يبدأ عمله وقد امتزجت دموع الفرح بنعمة الله مع دموع الندم على خطاياه، ويظل هكذا يعمل طوال اليوم. ثم يأخذ ما حصل عليه من أموال في هذا اليوم ليأكل منها على قدر احتياج جسده، ويوزع الباقي على الفقراء والمحتاجين. ويسرع إلى الله لينفرد به، في صلاة شكر طويلة وتسبيح الله على عظمته. ثم يجلس في خلوة ثانية، ليحاسب نفسه عن كل ما أخطأ فيه طوال اليوم، سواء بالفكر، أو القلب، أو الكلام.

عندما سمع الأنبا أنطونيوس تدبير الرجل في حياته، شعر بضعفه أما هذا القديس وقال له: إنك تشبه الصائغ الذي يشكل الذهب في هدوء، فيصنع مشغولات ذهبية ثمينة جدًا، دون أية ضوضاء، فزحام الإسكندرية لم يؤثر عليك، واستغرقت في محبة الله، أغلى شئ في العالم، فتتمتع به كل يوم. أما أنا المتوحد في البرية فلم أصل إلى شئ مما وصلت إليه.

ومضى الأنبا أنطونيوس متعزيًا مما تعلمه ومنسحقًا في قلبه، ليبدأ جهادًا جديدًا، حتى يتعرف على الله من خلال الشكر ودموع التوبة والاتضاع عند أقدام الكل لتعلم فضائلهم، فازداد اتضاعه وأيضًا لم تهدأ أشواقه نحو التلمذة حتى نهاية حياته.

كتاب: كيف عند الأقدام؟

اية للحفظ

كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع" (لو14: 11)