Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

توبة في الخفاء

الشهيد التائب نيقام هو ابن أحد أراخنة الأقباط، يُدعى بقيرة الصواف، وكان معاصرًا للبابا خرستوذولوس (١٠٤٦ – ١٠٧٧ م)، وكان مستهترًا للغاية، عاصيًا لوالديه.

إذ انتهره والده في إحدى المرات، ترك البيت وانضم إلى مجموعة من الشباب الأشرار الذين أغروه، فجحد مسيحه، وقطع صلته بوالديه وبالكنيسة، مع أن خاله هو الأنبا جرجس أسقف ميسارة، في نواحي قسقام والقوصية.

رجع إلى نفسه وأدرك خطورة ما فعله، وقدّم توبة صادقة. التقى بأحد الرهبان القادمين إلى القاهرة لقضاء شئون الدير، فأشار عليه أن يترك القاهرة وينضم إلى أحد الأديرة ليمارس حياة التوبة، وبالفعل ذهب إلى دير الملاك ميخائيل.

شعر بندامةٍ شديدةٍ، وكان ضميره يعذبه كيف يجحد إيمانه علانية ويتوب خفية، فصمم أن يشهد لمسيحه وسط الذين أنكره أمامهم. طلب من الآباء الرهبان أن يسندوه بصلواتهم، ثم ودعهم وانصرف.

لبس نيقام زنارًا في وسطه، ووضع صليبًا على صدره، وأخذ يطوف أسواق القاهرة وشوارعها مرتديًا هذه الملابس التي كان يلتزم بها المسيحيون في ذلك الوقت.

تعجب الناس لموقفه وتساءل كثيرون إن كان هو نفسه نيقام الذي أنكر الإيمان. أما هو فقال بكل شجاعة: “نعم أنا هو نيقام، وقد ندمت على ما فعلت، ورجعت إلى إيماني بالسيد المسيح، ولن أرضى به بديلاً”. فتجمهر حوله البعض، وألقوا القبض عليه، واقتادوه إلى الوالي لمحاكمته.

حاوره القضاة وحاولوا إثناء عزمه، تارة بالوعود وأخرى بالوعيد، أما هو فكان ثابتًا على إيمانه.

ألقوا به في السجن حتى يتم الحكم بقتله. هناك التقى براهبٍ قديسٍ كان من نزلاء السجن، أخذ يشجعه للشهادة للسيد المسيح حتى الموت.

حاول والده إنقاذه إذ كان على صلة قوية بأحد أمراء جيوش المستنصر. تكلم مع صديقه فأخبره أنه لا طريق لإنقاذه إلا بأن يرسل إليه بعض الأشخاص في السجن فيتظاهر بالجنون، فيشهدون بذلك أمام القضاة ويحكمون بإطلاقه.

أرسل الأمير رجاله إلى السجن، فلم يقبل أن يتظاهر بالجنون، بل بكل تعقلٍ واتزانٍ شهد لمسيحه. دُهش الأمير لموقف نيقام الجريء الشجاع، ولم يكن هناك طريق سوى تنفيذ القضاء عليه.

قاده الجلادون إلى ساحة الاستشهاد بجزيرة الروضة التابعة حاليًا لقسم مصر القديمة بالقاهرة بجوار منيل الروضة. تبعه عدد كبير بين حزينٍ وشامتٍ حتى جاءوا به إلى رأس الجسر، في موقع “كوبرى الملك الصالح” بمصر القديمة حاليًا. هناك نزل رئيس الشرطة المكلف بقتله عن بغلته واستل سيفه، وقال له: “أعطيك هذه البغلة ولجامها المُحلى بالذهب وسرجها النفيس، وأثبت اسمك في ديوان السلطان، وأجعل لك راتبًا ضخمًا إن رجعت عن رأيك يا نيقام“.

التفت إليه نيقام وبكل شجاعة قال له: “لو أعطيتني كل مملكة مصر لما أعرته اهتمامًا”. اغتاظ رئيس الشرطة، وصفعه على وجهه وكان يلبس خاتمًا في إصبعه، فتورمت عينه في الحال. أما هو فكان بصبرٍ واحتمالٍ يشكر اللَّه.

عاد رئيس الشرطة يهادنه ويقدم له إغراءات جزيلة، أما هو فبكل قوة قال له: “لا تتعب نفسك مع إنسانٍ تأكد أن كل مجد العالم لا يساوي شيئًا يسيرًا من ملكوت السموات الذي يرغب الحصول عليه”. ثم صلى ورشم نفسه بعلامة الصليب وجثا على ركبتيه وهو شاخص إلى السماء نحو الشرق.

حاول أحد المؤمنين أن يغطي رأسه حتى لا يجزع من رهبة الموت لكن الجنود منعوه. فناداه قائلاً: “تشجع يا جندي المسيح، فإنني أرى ملاكًا فوق رأسك وبيده إكليل جهادك“.

ضرب الجلاد رقبته، فطارت رأسه وسلم روحه في يد مخلصه وهو في الثانية والعشرين من عمره.

تُرك جسمه في العراء تحت حراسة مشددة، وفي منتصف الليل ظهر نور عظيم أشرق على الجسد، فذُهل الحراس وارتعبوا.

إذ سمع الخليفة المستنصر بذلك أمر بدفنه، فجاء والد الشهيد نيقام ودفن جسده عند كنيسة الملاك المختارة، بجوار بستان المختار الذي غرسه الأخشيد بجوار مقياس الروضة. استمرت هذه الكنيسة قائمة إلى زمن البابا مكاريوس الثاني (١١٠٢ – ١١٢٨).

بعد ثلاثة أيام من استشهاده جاء البابا خريستوذولس إلى الكنيسة وأمر بأن يُدفنداخل الكنيسة. وإذ أخرجوه من القبر كشف البابا أكفانه ليتبارك منه ودفنه في مقبرة خاصة داخل الكنيسة بإكرام جزيل.

إذ هُدمت الكنيسة نًقل الجسد الطاهر إلى كنيسة الملاك ميخائيل القريبة من حصن بابيلون.

قاموس آباء الكنيسة وقديسيه.

اية للحفظ

"فلنخرج إذًا إليه خارج المحلة حاملين عاره. لأن ليس لنا هنا مدينة باقية لكننا نطلب العتيدة" (عب ١٣ : ١٣ - ١٤)