Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

بركة الرب هي تغني


كان رجلاً بارًا وقديسًا عاش في منطقة شعبية بالإسكندرية
وقد بدأ المقدس أبو بشرى” حياته فقيرًا جدًا، كان يسكن حجرة بسيطة أقرب ما تكون إلى الأكشاك منها إلى البيوت، وكان هو وأولاده وزوجته يبيتون تحت هذا السقف الفقير الذي لم يكن يحميهم في أوقات كثيرة من غزير الأمطار بالإسكندرية رغم الاستحكامات التي كانت تسمح بها إمكانيات هذا الرجل الفقير، فكان يرمم السقف بكل ما في وسعه ولكن لم يكن هذا كله يعفي صغاره من قطرات من المطر كانت تتسلل لتتساقط عليهم في ليل الشتاء القارص، لتزيد من آلام البرد مع قلة الغطاء وضعف الأجساد.

وكان الرجل في أيام شبابه المبكر يعمل بائعًا متجولاً للحبوب، فكان يستأجر عربة صغيرة يضع عليها بعضًا من العدس والأرز والفول وما إلى ذلك، يجوب شوارع وحواري غيط العنب وغربال بعربته الصغيرة يجرها بيديهكان هذا في الثلاثينات، وكان الرجل في آخر النهار يفوز بربح قروش قليلة من تجارته البسيطة هذه.

على أن هذا الرجل البسيط بحياته الفقيرة هذه وإمكانياته المتضعة جدًا برهن على حقيقة من أخطر الحقائق في الحياة وهي أن الفرح والقناعة والسلام الداخلي لا تُستَمَد من الأمور المادية على الإطلاق، فقد عاش أبو بشرى حياة مملوءة فرحًا واكتفاءً، وكان سعيدًا بهذه الحياة البسيطة يشيع الفرح في كل المحيطين به.

فهو كثير الشكر لله دائم الصلاة في معظم يومه، قديسًا في معاملاته البسيطة مع النسوة اللاتي كن يشترين منه، مواظبًا على القداسات هو وزوجته وأولاده.

كانت فضيلة الرجل العظمى هي حبه للفقراء وحبه للعطاء، لم يكن أحد يتصور أن رجلاً فقيرًا مثله يقدر أن يعطي شيئًا، فالإنسان بطبيعته لا يعطي إلا من الفائض والزيادة، أما النعمة فإن سكنت في إنسان فإن سخائها يفيض من الفقير ينابيع غنى وشبعوكان قلب أبو بشرى المتواضع مسكنًا مريحًا وجدت النعمة إليه طريقها فاستراحت فيه، فكان فقيرًا في مظهره غنيًا جدًا في الداخل بالنعمة، وكمل فيه القول: “كفقراء ونحن نغني كثيرين“.

فقد كان الرجل يحرص على أن يعطي العشور من القروش القليلة التي يكسبها في يومه، يعطيها كل يوم لأرامل وفقراء أكثر منه احتياجًا، وكان يعمل هذا العمل بفرح شديد وفي سرية وكتمان بمعرفة وحرص لئلا يضيع أجره.

شاء الرب أن يرفع عبده المتضع، ويظهره أمام نفوس كثيرة كأيقونة مكرمة جدًا موضوعة على المنارة لكي ينظر الداخلون النور.

آزرته النعمة في تجارته البسيطة فكانت تنمو بمعدل مذهلإستأجر دكانًا بسيطًا في بادئ الأمر، ثم ازدادت النعمة في عطائها بسخاء وغزارة، وظل الرجل أمينًا في حياته أمينًا في مبادئه أمينًا أمام إلهه، وقد زاد حبه للفقراء وشغفه بخدمتهم.

وقد شهد جميع أهل المنطقة أن الرجل أكمل قول الرب يسوع: “من سألك فاعطِه” بحذافيره، فلم يدخل إلى دكانه سائل ورده خائبًا، فالحي فقير وطلبات الفقراء فيه لا تنتهي طول النهار، والرجل قلب مفتوح لجميع الناسلا يسأل أحدًا من الذين يطلبون منه شيئًا عن إسمه أو ديانته أو مدى احتياجه، بل لم يَرُد طلب إنسان ولم يقطع رجاء أحد.

كان أطفال الفقراء طول النهار لا يكفون عن الطلبات: “هات بصلة يا عم أبو بشرى، هات شوية رز يا عم أبو بشرى“… ولم يكن يرسل أحدًا فارغًا، وكان يبارك بابتسامة سخية على كل أحد ويعطي بلا حساب.

وكان كلما أعطى الرجل، كلما أمطرته النعمة أضعافًا، حتى صار الرجل غنيًا جدًا وصار من أكبر تجار الحيوبقيت بساطته الأولى معه بل ازداد في حياة الشكر والعطاء.

كان الرجل يتردد على الكنيسة المرقسية يحبها من كل قلبه ويحب القديس مارمرقس الإنجيلي بعاطفة روحية، ويدخل الكنيسة بوقار شديد وتقوى.

وفي مرات كثيرة كان يتصادف وجودنا بالبطريركية أو بالكنيسة المرقسية في وقت نجد فيه المقدس أبو بشرى، فكان يقابلنا بفرح شديد ومودة روحية فائقة.

وكان يقول لأبونا بيشوي في وجودي ودموعه تملأ عينيه: “يا أبونا بيشوي إنت عارفني كويس … أنا راجل فقير ومسكين وكنت زمان عايش مبسوط، وكنت باكسب خمسة أو ستة قروش، وكنت على قدي أقدر أتصرف فيهم وأنام وأنا مرتاح، أما الآن فالمسئولية كبيرة لا أستطيع أن أتحملها، وأنا جاهل لا أستطيع أن أتصرف حسنًا في كل هذه الأموال … لماذا أعطاني الرب كل هذا؟ وأنا لا أستطيع أن أعطي جوابًا عن هذا له؟ أرجوك يا أبونا صلي عني” … وكان الرجل يبكي كمن يحمل حمل خطايا كثيرة، وكان قلبي ينكسر من منظر هذا البار الذي أعلم أنه يعطي الرب بسخاء قلما وُجِد في هذا الجيل.

وكان الرجل بعد أن يتكلم بهذا الكلام، يفرغ كيس نقوده تمامًا إلى آخره في يديّ أبونا بيشوي ويطلب بإلحاح أن يصلي عنه لعل المسيح يغفر له تقصيره في العطاء، وكان إذ يفعل ذلك كان الرب يغدق عليه أكثر إحسانًا عجيبًا في كل ما تمتد إليه يداه.

حدث مرة أن ذهب إليه أبونا بيشوي ليشتري منه فولاً لإخوة الرب لأنه كانت أيام صوم، فلاحظ أنه خلال الفترة القصيرة التي وقفها عنده تردد على المحل أكثر من خمسة عشر فقيرًا يطلبون حسنة ولم يرد أحدًا منهم قط فارغًا ولا سأله حتى عن اسمه، فأثار هذا المنظر عجب أبونا بيشوي وإعجابه وبادره بالسؤال: “هل يا عم أبو بشرى تعطي كل من سألك أم المحتاج فقط؟” فأجابه بثقة وبهجة: “لا المحتاجون فقط“.فتحيَّر أبونا وسأله ثانية: “كيف عرفت أنهم محتاجون؟ هل تعرفهم شخصيًا؟” فأجاب بالنفي واستطرد قائلاً: “لكني أعلم شيئًا واحدًا وهو أن ربنا يسوع المسيح الذي أطلب 

منه كل صباح أن يبارك يومي ويرسل لي من إخوته كل من له احتياج فقط، ويبعد عني كل النصابينوهو المسئول عن هؤلاء الناس لابد أنهم كلهم محتاجون ولا حاجة لي بسؤالهم لأن الرب يسوع هو الذي أرسلهم“. فخرج أبونا بيشوي من عنده وهو يمجد الله الذي أبقى له بقية.

حدث في نهاية الستينات بعض الأزمات في السلع التموينية ولا سيما في أيام الأصوام، وكان غلاء في البقول واختفى بعضها من الأسواقوكان الميسورو الحال بالكاد يحصلون على الفول والعدس بأسعار غالية بالنسبة لتلك الأيام.

وكانت أيام الصوم الكبير، وإذا بالمقدس أبو بشرى يقابلنا في المرقسية ويسأل هل يوجد عندنا شئ من الفول والعدس؟ وقبل ان نجيب قال: “المسيح يساعدني وأرسل لإخوتي الفقراء شيئًا من أجل الصوم“.

وعند المساء وقفت عربة نقل أمام باب الكنيسة محملة بأكثر من أربعين شوالاً من الفول والعدس، وهكذا فعل مع آباء كثيرين.

وكان يشجع بمسلكه المتواضع الكثيرين للسعي في طريق العطاءوقد كان مثلاً لإنكار الذات فلم يطلب مدحًا من إنسان ولا اشتهى كرامة لأجل عطاياه، ولا أن يسجل إسمه في أيصال أو دفتر للتبرعات، ولا أن يكتب على ستر الهيكل أو مقعد في الكنيسة … لقد سلك سلوكًا روحيًا وأكمل وصايا سيده لكي ينال أجرًا كاملاً في ملكوت الأبرار.

وبعد أن أكمل أيامه في حياة مرضية، شبع من القداسات وتقديم قرابين وذبائح اشتمها الله رائحة سرور ورضى، وبعد أن ربى أولاده في طريق مخافة الله، إنضم إلى صفوف الأبرار ليضئ في السماء بأعمال الرحمة ومكافأة الصديقين.

رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرينج 1.

اية للحفظ

"إذًا يا إخوتي الأحباء كونوا راسخين غير متزعزعين مكثرين في عمل الرب كل حين عالمين أن تعبكم ليس باطلاً في الرب" (1كو15: 58) .