Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

برسوم الجديد

كنت أعرفه شابًا في بداية العشرينات من عمره، وقد انتهى من دراسته الجامعية. كان خادمًا في إحدى كنائس القاهرة، كان ذلك في الستينات، وحدث خلاف في صفوف الخدام في تلك الكنيسة مزق الخدمة تمزيقًا، وقد راح ضحية هذا الخلاف الشيطاني نفوس كثيرة من أنقى الخدام وأكثرهم حماسًا ففقدوا حماسهم إذ قد أُعثَروا فيمن كانوا ينظرون إليهم باعتبار كبير.

ولكن هذا الأخ احتفظ بثباته واتزانه واحتفظ بسلامه العجيب، ولم تأتِ العواصف على نفسه ولا على إيمانه، ولا حبه للخدمة، وغيرته على خلاص النفوس. فكان بين الفريقين المتخاصمين كحمامة سلام محبوبة من الكل، موقرًا من الجميع.

وكان إذ فقد بعض الإخوة حماسهم كانوا يجتمعون بين الحين والآخر في أحد البيوت يتبادلون الآراء ويجترون الخلافات، والعثرات، والقيل والقال، ولا تخلوا مثل هذه الجلسات من مسك السيرة والدينونة والنقد والكلام الجارح فيهم، ثم قليلاً قليلاً، صار إجتماعهم تنقصه الروح ويفتقر إلى الصلاة. ثم إذ صاروا في فراغ، بدأوا يشغلون الوقت في تسلية، مثل لعب الشطرنج أو الطاولة … إلخ.

وكثيرًا ما كان هذا الأخ يفاجئهم بزيارة فهو زميل ومحب ومحبوب منهم جميعًا، وكان عندما يدخل إليهم تتبدل حالهم، وكأنه يأتي بالروح إلى اجتماعهم فتتحول الجلسة إلى كلام جيد وكلام نافع وتأمل وصلاة … وكأنه أعاد إليهم وعيهم الروحي وحالتهم الأولى. هكذا كان ملتزمًا بغير تزمت، بسيطًا في عمق، متدينًا بدون رياء، وديعًا متضعًا بغير زيف.

كان قد وعى تاريخ الكنيسة بإدراك روحي، وعمق كمن عاش مع قديسي الكنيسة وعاصرهم، وكان دروس حياتهم هي العبرة الكبرى في حياته. كان كنسيًا … كل ما في الكنيسة يعشقه … عبادتها، طقسها، صلواتها، أعيادها، مبناها ومعناها … كم أحب الكنيسة … شئ عجيب!

ثم بعد منتصف الستينات، صار جنديًا بالجيش، بحسب التجنيد الإجباري، وسط جديد لم يعهده وحياة مختلفة تمامًا. لقد قضى حياته السابقة في بيت متدين ملؤه القداسة والسلام الروحي، في أصوام وصلوات، وبين كنيسة عابدة مصلية ساهرة مسبحة، أما اليوم فهو في وسط غريب غريب. ولكنه بنعمة الله صار نورًأ في الظلمة وملحًا للأرض.

لقد احتفظ بروحياته … صلاة دائمة، قلب مرتفع إلى السماء، طهارة قلب، وفكر، ولسان عف، لا ينطق بكلمة واحدة بطالة، إنه مَثَل للحياة بالمسيح … فكان أن بسط له الرب رحمته، وأعطاه نعمة في أعين جميع الناظرين إليه … هذه هي مواعيد الله.

ثم إذ دامت له الأيام، وهو في الوحدة المجند به وتعرَّف عليه عن قرب رؤسائه … وثقوا أنه رجل الله. فكان إذا تخاصم بعضهما يلجأون إليه مصلحًا، وإذا اختلفت شهادتهم أمام القائد، كان يطلب كلمته هو، إذ يقول أمام الجميع: “الأخ فلان لا يكذب”. فكان وجوده في وسطهم يمجد الله.

ولا أنسى أنني في عيد القيامة المجيد تلقيت كارت معايدة فلما فتحته، قرأت كلمات عن القيامة بأسلوب بديع وتحية مسيحية معبرة، فلما انتهيت إلى آخر المكتوب، وجدت الإمضاء لشخص غير مسيحي، كان مجندًا مع هذا الأخ وقد عايشه وكان هذا المجند يعمل وكيلاً للنيابة، وكنا قد تقابلنا مرة، وعرفني به فشهدت كيف كان يترك أثرًا روحيًا على جميع المحتكين به. كل من عاش معه تأثر به.

وبعد حرب 1967 كان جنودنا يعسكرون على شاطئ قناة السويس من الجهة الغربية، بينما الجنود الإسرائيليون يعسكرون من الجهة الأخرى. وكانت فرقته ضمن الفِرق الرابضة على حدود القناة.

كانوا يومها يسكنون في مخابئ … الجو في الصيف شديد الحرارة والشمس حارقة. كان أحد الجنود زملائه يشاركه المعيشة بالمخبأ، وبينما هما داخل المخبأ إذا ثعبان ضخم، يدخل متسحبًا إلى الظل داخل المخبأ … فلما رآه زميله جزع من الخوف ولكن الأخ هدَّأ من روعه، وقال: “لا تخف من هذا إنه يعيش معنا في سلام الآن عامًا كاملاً يأتي يطلب الظل ونحن نعطيه طعامًا … بيض أو قطعة لحم … فيأكل ويرتاح ثم يمضي إلى حال سبيله”.

لقد تكرر هذا المتظر أمام الجنود غير المسيحيين فشهدوا أن الرجل يحيا مع الله، وأنه بالحق رجل الله. لذلك زاد حبهم له وزاد توقيرهم لإيمانه الحي.

ولما سمعت ذلك من أصدقائه غير المسيحيين، كنت أمجد الله الذي لا يعدم أن يكـون له شهود في كل زمان، وفـي كل مكان، وكنت أقول أن الكنيسـة حية، وأن القديس برسوم العريان الذي عاش مع وحش ثعبان ليس تاريخًأ ميتًا، ولكنه تاريخ حي ممكن أن يتكرر في جيلنا وكل الأجيال.

رائحة المسيح في حياة أبرار معاصرين: ج 2.

اية للحفظ

أطلب إليكم أيها الإخوة أن تلاحظوا الذين يصنعون الشقاقات والعثرات خلافًا للتعليم الذي تعلمتموه واعرضوا عنهم. لأن مثل هؤلاء لا يخدمون ربنا يسوع المسيح بل بطونهم" (رو16: 17-18) .