Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

إيمان حي

أبونا العزيز ديمتري، لقد سألت الشباب من رعيتك أن يصفوا طريقهم إلى الإيمان وكيف كان، لذلك أكتب إليك ما حدث لي:

إن كل أعضاء أسرتي ملحدون متمادون في الإلحاد عن جنوح واقتناع متأصلين، وحتى جدي وجدتي كانا غير مؤمنين. وبالطبع كنت قد تعلمت هذا الدرس جيدًا منذ الطفولة: إن الله مجرد أسطورة ملفقة ابتدعها أُناس جهلة … وهكذا كانت مجرد كلمة “دين” تثير فيَّ وترتبط في داخلي بأفكار وصور ومشاعر مظلمة مخيفة: وجوه مشوهة بعيون فقدت التعقل … حجرات مغلقة مظلمة … شموع وقبور … إلى غير ذلك. ولم يكن هناك أي فارق عندي بين مدلول كلمتي: الكنيسة والله، فقد كانت كلها كلمات غامضة مظلمة مخيفة وغريبة عنى تمامًا.

 

ولكني دون أن أدري كنت أتحسس طريقي نحو الله. تحول عجيب، أليس كذلك !! فكلما كنت أفكر فيما حولي، كلما ازداد اقتناعي بأن كل شئ بلا معنى ولا يساوي شئ، حتى وصلت إلى حد إنكار ورفض كل شئ وكل شخص. وصارت عندي المفاهيم مثل الضمير والحق والأخلاق بلا معنى، خالية، وجوفاء تمامًا. وكانت تلك الأشياء إما لا تعنيني إطلاقًا وإما تثيرني بشدة.

إنني أفهم الآن طبعًا أنه بدون الله لا يمكن أن تكون الحياة والأشياء على هذه الصورة. وهكذا لم يكن هناك أي شئ يسبب لي سعادة حقيقية، فبدأت أعاقر الخمر لأنسى، فكنت أشرب حتى أفقد الوعي … ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبحت سكيرًا مدمنًا.

ولم يقتصر الأمر – بعد مدة – على الشراب، فبمنتهى البساطة والسرعة وصلت لنهاية الطريق. ففي ذات مرة سكرت واشتركت في مشاجرة، وإذا بي ملقى في السجن بسبب العربدة والاعتداء على الغير.

كان في زنزانتي رجل تقي يصلي كثيرًا ويرشم نفسه بعلامة الصليب قبل تناول طعامه، مما جعل الكثيرين – وأنا منهم – يسخرون منه. وفي يوم من الأيام استدرجته إلى جدل حول الدين لا لشئ إلا لمجرد طرد السأم.

وقد بدأت من جانبي في أول الأمر بسيل ساخر متدفق من التعليقات عن كيف أن النساء العجائز صنعن الله من أوهامهن وأفكارهن. أما هو فقد كان يرد على كل نقطة جدل – بكل ما فيها من سخرية وامتهان – بمنتهى الجدية والوقار. وبعد مدة بدأ اقتناعه الذي لا يهتز يثير ثائرتي. فتحولت، لمجرد لذة المشاكسة، إلى الدفاع الجاد عن الإلحاد مثبتًا بكل دليل ممكن أن الله لا يمكن أن يكون موجودًا.

لقد كنت في الحقيقة لا أبالي لا بالله ولا بالإلحاد … لكنني كنت أريد أن أحطم ثقته فقط. نعم كان هذا هو الشئ الرئيسي، وكانت عجرفتي تدفعني دفعًا وتلهب منطقي إلهابًا، وقد حققت ما أردت.

ثم توقف الرجل عن الكلام … نعم صمت وبدأ يبكي … ثم بدأ يصلي من أجل أن يتقوى إيمانه … والغريب أنني لم أشعر بالرضى عن انتصاري، بل شعرت بثقل رهيب يقع عليَّ، وأحسست بالألم كأني صنعت أمرًا دنيئًا. أما هو فقد استمر يصلي ولكن بهدوء.

وفجأة رفع رأسه ونظر إليَّ مبتسمًا، فانذهلت من منظر وجهه: كان كأنه قد اغتسل وكأن به شيئًا غريبًا مفرحًا نقيًا. وفي الحال انزاح الثقل الذي أحسست به يسحق روحي، وأدركت بحسي أنه قد صفح عني. وبدأت أشعر بنوع ما من النور ينساب إلى داخلي، ومع النور بدأ يتخللني الشعور بأن الله موجود.

لم يكن الأمر أنني “فهمت” بقدر ما كان أنني “أحسست” بوجوده بكل كياني. نعم إنه موجود، لقد كان وسيكون هكذا إلى الأبد: هو دائم الوجود وحده وفي كل مكان. إنه أبونا ونحن أولاده، وإخوة بعضنا لبعض.

ونسيت أنني في السجن، ولك أشعر إلا بشئ واحد فقط: فرح عظيم وعرفان بالجميل للإله الذي أظهر نفسه لي أنا غير المستحق.

اية للحفظ

الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني والذي يحبني يحبه أبي وأنا أحبه وأظهر له ذاتي" (يو14: 21) .