Harvey Hesse

Church Address 125 Academy Street Belleville, NJ 07109

إيمان الطفولة العجيب

أنا يهودية بحسب المولد لكن أبواي كانا ملحدين عن اقتناع، وكانت أمي تحبني أنا وأخي “متيا” جدًا وتحاول أن تحمينا من تأثير البيئة، فكنا نعيش بين لعبنا وكتبنا في عالم الأطفال المنعزل. لقد كنت أحب أمي جدًا وأصدق كل ما كانت تقول بلا نقاش، وهكذا عشت حتى سن السادسة بلا معرفة عن الله أو بالحري أن ليس لله وجود.

حدث أنني كنت أنا وأخي نلعب مع أطفال الجيران في حديقة وجدنا فيها ديك يرقد ويلهث بشدة ويفتح منقاره متشنجًا. أحضر أحدنا له قليلاً من الماء ليشرب ولكن هذا لم ينفع بشئ فقد مات الديك. حفرنا له قبرًا دفناه فيه وغطيناه بالزهور ثم انتهى كل شئ.

عندما ذهبت إلى فراشي تذكرت مشهد موت هذا الديك بكل وضوح، وجعلت أبكي وارتعش لمدة طويلة. ثم برقت في ذهني أسئلة لم أستطع الإجابة عليها: أين ذهبت نفس الديك؟

اندفعت إلى أمي في الصباح أسألها: “أين ذهبت نفس الديك؟” ارتبكت أمي قليلاً ثم قالت: “ليس للديك وجود بعد أن دُفِن”.

رددت محتجة بشدة: “كلا … لقد دفنا جسمه فقط ولكن نفسه لم تكن هناك ولا يمكن دفنها. فأين هي الآن وأين ستكون نفسي ونفس ميتا أخي بعد أن نموت؟”

ألححت في السؤال ولم يمكنها تهدئتي، وبعد عدة أيام قلت لها: “إنك تخطئين حينما تقولين أنه لا يوجد إله … الله موجود وقد ذهبت إليه نفس الديك”. ومنذ ذلك اليوم بدأت أصلي بكلماتي الخاصة.

حدث أيضًا أنني وجدت صورة ملاك جميل على أحد الكراسات، فأخذتها وعلقتها فوق السرير وكنت أصلي أمامها راكعة على ركبتي. وحاول متيا أن يغيظني فكان يضع فردة حذاء قدامه على وسادته ويركع أمامها مقلدًا إياي، فكنت أصلي من أجله لأني كنت أخاف أن يعاقبه الله من أجل تجديفه.

كان عمري قد بلغ الثامنة حين دَخَلَت إلى بيتنا صورة وجه يسوع مثل التي طُبِعت على منديل فيرونيكا، وكانت الصورة معروفة وموجودة لدى كثير من البيوت المسيحية وغير المسيحية. وَضَعَتها أمي في برواز جميل وعلقتها. لقد انجَذَبتُ جدًا لهذه الصورة وكنت أطيل الوقوف أمامها، وكلما أطلت الوقوف كلما اشتقت إليها أكثر.

فسألت أمي: “من هذا؟”

أجابتني: “هذا إنسان صالح علَّم الخير، والمسيحيون يؤمنون أنه الله. لكن هذا خطأ إذ لا يوجد إله”.

كنت أتسلل إلى الغرفة التي بها هذه الصورة لأتفرس فيه لساعات متصلة، وكان الكبار يسحبونني وينتهرونني، أما أنا فلم يكن لي إجابة سوى: أنني أحبه.

ظنت أمي أنني أمر بمرحلة من الهوس الديني وأنها سوف تنتهي عندما أكبر …  ولكن لأني كنت طفلة سوية مرحة محبة للعب، فهذا جعلها تهدأ نوعًا ما وقالت: “(معلش) سوف تكبر وسينتهي كل هذا من تلقاء ذاته وسوف تعبر هذه المرحلة” … لكنها لم تعبر.

كنت أرى صديقاتي يرشمن ذواتهن بعلامة الصليب، ومنذ اليوم الأول كنت أريد أنا نفسي أيضًا أن أرشم علامة الصليب وقد شعرت بالقوة الجاذبة في علامة الصليب. وعند عودتي إلى المنزل رشمت نفسي بالصليب في حذر وببطء فشعرت بحيرة وقلق لئلا أكون قد ارتكبت شيئًا ممنوعًا قد يحدث لي بسببه أذى، ولكن شيئًا لم يحدث، كل شئ كان هادئًا حولي وأحسست في داخلي بسكينة من نوع غريب. وبعد هذه الخبرة الأولى بدأت أرشم نفسي بالصليب أكثر فأكثر أثناء صلواتي.

وخلال فترة قصيرة تعرفت على الإنجيل وحفظت أول صلاة: “أبانا الذي”، واقتنيت صليبًا صغيرًا علقته في عنقي، وكانت كل هذه الأشياء تنتزع مني وتُلقَى خارجًا، ولكن إحدى صديقاتي كانت تعطيني بدلاً منها.

عاد أبي ذات يوم إلى المنزل غاضب جدًا، وقال لأمي أن هناك شائعات أنه سيتعمد لأن إبنته رؤيت داخل كنيسة، فأمرتني أمي أن أكف عن الذهاب للكنائس وإلا سيلقوا بي خارجًا مع رماد المجمرة.

حزنت جدًا لمنعي من الذهاب للكنيسة ولأني لن أقدر أن أذهب للاعتراف والتناول، وإن كنت لم أكن قد فهمته بعد.

كنت بمفردي ليلة عيد القيامة أبكي لأن كل صديقاتي يحتفلن بالعيد فرحات بعد أن اعترفن وتناولن، وكانت نافذة غرفتي مفتوحة والمدينة كلها تضج بصوت الأجراس، وفجأة قلت لنفسي بحسم: “هوذا الله وأنتِ هنا … هيا اعترفي بخطاياكي ثم عمدي نفسِك وناوليها”.

لم أكن أعرف ما هي الأسرار المقدسة، لكنني ملأت كأسًا بالماء وغمست فيه صليبـي واعترفت بخطاياي لإلهي، ثم قرأت جزءًا من الإنجيل وسكبت مائي المقدس على نفسي ثم أكلت بيضة ملونة وكعكة أخذتها سرًا من طباخنا وأنا أقول: “الآن ياربي فلتكن هذه شركة تناولي المقدس”.

بدأ كل شئ يتغير داخلي، ففي اللحظات الأولى أحسست بقوة دفء الليلة ودوي الأجراس يتردد داخلي، وامتلأت بفرحة غامرة وشعرت بنفسي شفافة كما لو كانت مصنوعة من البللور وكأن بداخلي يجري سائل حار كهدير الشلال له بريق كبريق النار. وكان الصوت الذي يتخلل كياني يشابه هدير الشلال وهدير الموج المنكسر على الشاطئ في نفس الوقت.

لست أذكر إذا ما كنت قد نمت في تلك الليلة أم لا. أما في الصباح فلم أكن قادرة أن آكل أو أتكلم، فكأن شيئًا ما قد سدَّ حلقي فقد كنت في حالة ذهول، وحاولت أن أتجنب بقدر ما أستطيع أي احتكاك بالأشياء التي خارجي لكيما لا ألوث هذا الصفاء البللوري ولئلا أفقد هذا الإحساس العجيب.

أما أمي فقد انزعجت إذ اعتقدت أني مريضة. وشيئًا فشيئًا أثناء اليوم كان الصوت المدوي داخلي ينخفض تدريجيًا. وعند المساء صار كل شئ هادئًا بداخلي.

لقد عشت حياة طويلة وتعمدت وأنا عمري 37 سنة، ولكن حين أتذكر دفء تلك الليلة ورنين الأجراس الذي تغلغل داخل نفسي أشعر ثانية بذلك الدفء العجيب وأسمع ثانية دوي الإيقاع المتبادل الذي يشبه صوت الشلال والأمواج الهائلة المنكسرة على شاطئ البحر.

قصص مسيحية من واقع الحياة: 3: إيمان الطفولة العجيب.

اية للحفظ

"لا تخف أيها القطيع الصغير لأن أباكم قد سر أن يعطيكم الملكوت" (لو ١٢ : ٣٢)